الثلاثاء، 22 ديسمبر 2015

نزوى بين الشكل والمضمون



لا يختلف إثنان على المادة الدسمة والمفيدة التي تقدمها مجلة نزوى الثقافية للقارئ هذه المجلة التي تعتبر علما لم يكف عن الرفرفة في سماء الثقافة فهي مصدر ومرجع مهم يوثق الكلمة والوجوه والشعر والتاريخ ، ومن المجلات النادرة التي استطاعت أن تصمد لسنوات ليست بقليلة فواصلت مسيرتها التي بدأت عام 1994 م، وبحثت عن الجديد وظل بابها مفتوحاً للقاصي والداني فاستكتبت المستشرقين والمهاجرين فأصبحت الملجأ الذي جمع الحنين مع مرارة الغربة، وهي العزاء للعماني في غربتة والمتنفس عندما تختلط عليه الثقافات وتشتد الأزمات فيبحث عن كلمة تواسيه ووجه عماني يتذكره فليس هناك أفضل من نزوى التي لا يمكن أن يقف بجانبها إصدار آخر على سبيل المقارنة مع احترامي للمجلات الثقافية العُمانية الأخرى.

واليوم يمكن القول بكل ثقة أن نزوى الابن العماني البار الذي استطاع أن يقدم أسماء عمُانية للعالم هي اليوم لها مكانتها الثقافية في الخارج وجذب مثقفي العالم لعُمان ، ونتمنى لهذا الإصدار أن يعيش لمئات السنين بالورق تسانده الطبعة الإلكترونية للمغتربين والذين لا تستطيع نزوى الوصول إليهم.
عرفت نزوى وأنا على مقاعد الدراسة فكان يُعرف فلان على أنه مثقف متمكن ومشهور لأنه يكتب في نزوى فهي كجامعتي هارفارد وكمبريدج لا يلتحق بهما إلا من كان على درجة رفيعة من العلم والثقافة كذلك نزوى لا تعترف إلا بالأسماء المتمكنة والأقلام البارعة وكيف لا وعلى رأسها الأديب الشاعر سيف الرحبي وكما يقال المعروف لا يعرف.
لكن نزوى ظهرت في وقت كانت الكلمة والمضمون هما الأساس لكن اليوم ومع ظهور مجلات أخرى ثقافية منافسة أصبح الشكل والإخراج يلعب جزءاً مهماً بالنسبة للقارئ وهذا ما تفتقد له نزوى وخاصة أن الجيل الحالي ليس من السهل جذبه لهكذا مجلات وترغيبه في القراءة مع وجود المغريات الأخرى التي تلهيه فتجعله غير مهتم في تغذية العقل بكثر ما تشغل تفكيره وقد تدمره، لذلك فإن الاهتمام بالشكل أصبح تحديا للمجلات للترغيب والجذب لأن الشكل الحالي لمجلة نزوى كأنه كتاب دراسي يفتقد للحياة فهي متمسكة بالشكل الإخراجي القديم والذي ليس من السهل تقبله هو عبارة عن أعمدة مشكلة كتلا من النص الممتلئ بالكلمات تعتليها العناوين جهة اليمين متماشية مع العمود الأول مع إدخال بعض الصور لتصطف بجانبها بشكل مربع أو مستطيل والتي يبدو أنها أدخلت دون أي تعديل أو معالجة أو أي إبداع في الإخراج أو الاستفادة من طرق الإخراج التي تجذب القارئ وتشجعه على القراءة كما هو حال لون الخط الذي يطغى عليه اللون الأسود على أوراق (وود فري) الخفيفة والتي تعتبر ميزة للمجلة كونها مجلة ثقيلة الوزن تصل عدد صفحاتها إلى أكثر من 300 صفحة .
فمجلة دبي الثقافية على سبيل المثال على الرغم من أن مضمونها لا يمكن مقارنتة مع مضمون مجلة نزوى ولكن شكلها وطريقة الإخراج المتبعة استطاعت أن تكوّن لها قاعدة قراء فانتشرت خلال وقت قياسي، على الرغم من أن توجه المجلتين مختلف ولكن لا يمكن إصدار مجلة جديدة ما لم يكن هناك اهتمام بالشكل إلى جانب المضمون وذلك لأن جذب الجيل الحالي للقراءة لابد أن يكون بعوامل شتى منها الإخراج الصحفي للمجلة.
قد تكون طريقة الإخراج الحالية مقصودة وذلك للبقاء على شكل المجلة المعتاد وكنوع من التقليد الذي لا يسمح بالابتكار في الإخراج وقد يكون الجيل الذي نشأ مع نزوى وفياً لها ويتقبلها أياً كان شكلها ولكن إذا كانت نزوى ترغب في مواكبة توجهات الجيل الحالي والأجيال القادمة فلابد من التغيير وإلا أصبحت بعد فترة من الوقت مجرد مجموعة من الورق تودع على أرفف المكتبات دون أن تتصفح، مع احترامي لمجلة نزوى ولكنني قدمت مجموعة من الملاحظات حباً في المجلة وفي كل الأحوال ستحتفظ بسمعتها وتصنيفها على مستوى العالم العربي لأن مضمونها قوي.


الثلاثاء، 15 ديسمبر 2015

لم يطل انتظاره

مواصلات مشروع وطني لم يطل انتظاره بخلاف ما يقوله البعض (طال انتظاره) والذين هم أنفسهم لم يجربوه حتى الآن فقط اكتفوا بالتقاط الصور عندما تمر حافلة مواصلات أمام سيارتهم وهي مليئة بالوافدين الذين هم أكثر المستفيدين من هذه الوسيلة وذلك لأن ثقافة النقل العام ما زالت غائبة محلياً وإن كان الكثير منا يستخدمها عندما يسافر للخارج، فتم حكرها في أنها وسيلة نقل لجنسيات معينة كما ارتبطت لدى البعض بالعيب وخاصة لدى المرأة كون هذه المواصلات مختلطة وأما من يمتلك سيارة خاصة ويستخدم هذه الوسيلة يتم تأطيره في زاوية البخل وغيرها من الأحكام المجتمعية التي غابت عنها ثقافة النقل العام، لذلك فإنه من الأولى على الجهة المسئولة عن هذه الخدمة أن تكثف من جهودها في تعزيز ثقافة النقل العام، وجعلها وسيلة بديلة للتقليل من الازدحام،الحواداث واستهلاك الوقود وخاصة إذا كانت الحكومة تود رفع الدعم عن المحروقات وبالتالي سيرتفع سعر النفط، فهذه الخدمة جاءت في وقتها وأوجدت بديلا لمن سيكون سعر النفط عبئا عليه آنذاك كما أنها ستساهم في تعزيز السياحة ولو كانت بشكل غير مباشر ولكنها بالنسبة للسائح وسيلة آمنة وأقل كلفة وتوفر خدمة الإنترنت ومنتظمة في الوقت وهذا ما لا توفرة سيارات الأجرة والمحتكرة لسوق النقل لفترة زمنية طويلة.
ولكن تبقى بعض الملاحظات البسيطة التي ستساعد في التشجيع من استخدام هذه الخدمة ألا وهي أن محطات الحافلات بعيدة عن الأماكن السكنية ألم يكن من الأفضل أن تقام مواقف عامه بجانب محطات الحافلات بحيث يتمكن الشخص ساكن المنطقة التي بها المحطة ان يركن سيارته ويستقل الحافلة أو أن يتم إنشاء محطات بالقرب من الأماكن السكنية بحيث يسهل الوصول إلى هذه الحافلات بدون استخدام السيارات للوصول إليها، كما ان محطات انتظار الحافلات غير مهيئة لأجواء الصيف المرتفعة والتي لا يمكن الانتظار فيها خلال تلك الفترة وهي الفترة الأعظم من أشهر السنة في عُمان لذلك لا أعتقد بأن ذلك سيشجع من استخدام هذه الحافلات خلال تلك الفترة.
ولكن في الوقت الذي ظهرت فيه هذه الخدمة وصل إلى جهاز هاتفي عدد من الرسائل التي تعبر عن اعتراض سائقي سيارات الأجرة على تدشين خدمة النقل (مواصلات) وهذا ما لم أستغربه وكان متوقعا خاصة بعد أن توقفت خدمة طلب التاكسي إلكترونياً عن طريق تطبيق في الهاتف تطلب من خلالة التاكسي ويصلك إلى حيث تكون خلال دقائق لكن أصحاب الأجرة أنفسهم اعترضوا على هذا التطبيق الذي كان سيسهل على الزبون وينظم عملية طلب التاكسي بدلاً من الوقوف على الشارع وانتظار مرور سيارة الأجرة وما يخلقه توقف التاكسي وتحركه من حوادث نتيجة انعدام النظام إلا أن هناك فئة وقفت ضد استخدام هذا التطبيق والتي كانت لها أسباب غير مقنعة ولكنها أدت إلى توقف العمل به لذلك فان اعتراض فئة من أصحاب سيارات الأجرة على خدمة (مواصلات) لم يكن بشيء غريب بل كان متوقعا وذلك لعدد من الأسباب منها تتحمله الجهة المسئولة عن سيارات الأجرة وهي أن تلك الجهة لم تنظم العمل بسيارات الأجرة كتخصيص محطات لها، استخدام العداد وغيرها من الأمور الأخرى التي تضمن حق السائق والزبون والتي تحيل دون تأثرهم سلبياً بأي خدمة أخرى منافسة كما هو الحال في دول العالم الثالث التي توفر كل أنواع المواصلات وكلها تعمل دون توقف أو تأثير سلبي على الآخر، أما الأسباب النابعة من طرف سائقي سيارات الأجرة (التاكسي) فأولها أن عددا كبيرا من سائقي هذه السيارات اعتادوا على نظام معين وغير متقبلين لأي نوع من التطوير وهنا أقول “بعض” لاعتقادهم بأنه ليس في صالحهم كما حدث عند ظهور تطبيق الهاتف أو بدأت خدمة النقل “مواصلات” بل يجب أن تتقبل أي خدمة باعتبارها منافساً للأفضل.
إذن العملية تكاملية بحيث لا يؤثر استحداث وسيلة على وسائل أخرى وبالتالي تكون لدى الزبون وسائل مختلفة يختار ما يتناسب مع ظروفه وإمكانياته، نتطلع إلى أن نشاهد القطار والحافلة وسيارة الاجرة (التاكسي) تتنافس لتقديم أفضل خدمة في الطرقات.


الثلاثاء، 17 نوفمبر 2015

ثلاثي الأبعاد : انتحالات .. ولكن

نشط في الفترة الأخيرة بعض الأشخاص (المثقفين) في اكتشاف سرقات أو كما أسموها “انتحالات” أدبية وعلمية لكتّاب ومؤلفين كانوا قد أصدروا كتباً ومؤلفات سواء كانت شخصية (حسابهم الخاص) وبعضها أنفق على إصدارها وتأليفها من مال الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى جانب تكاليف الترويج لتلك الإصدارات لتصل إلى ما وصلت إليه. ومن الانتحالات الأخرى التي تم الكشف عنها للمرة الثانية بعد أن تم الصفح عن الأولى والتي كان لي شخصياً تحفظ عليها لعدة أسباب، الكشف عن سرقة نصوص وفقرات بعينها لاستخدامها في كتابة مقالات أو كنصوص تحليلية وهذه المرة نشرت في صحف محلية، توقف بعض الكتّاب عن الكتابة حفاظاً على ماء الوجه، خاصة بعد أن رفضت تبريراتهم أما الآخرين، فواصلوا نشر نتاجهم ولكن هل وضعوا بعين الاعتبار بأن غلطة الشاطر بألف؟ أم أعتبروا أن ما قاموا به ليس انتحالاً بل هي استفادة مشروعة من كُتّاب آخرين، كما أن حسن النية ليس سذاجة في زمن لا يعترف بالجهل كعذر لتصرفاتنا.
قد يكون بعض هؤلاء الأشخاص الذين سخروا أنفسهم للبحث عن السرقات أو الانتحالات أنطلقوا من منطلق شخصي تجاه بعض الأشخاص، أو من باب القضاء على هذه الظاهرة التي ظهرت جلياً في الآونة الأخيرة، أو قد تكون موجودة سابقاً لكن لم يتبرع أحدهم للبحث والكشف عنها لذلك وكأن شيئا لم يكن، والزمن يغفر فينسى البشر والحمد لله على نعمة النسيان والغفران. والهدف في نفس من كشف وكتب ما اكتشف وهذا باب واحد فقط ولكن إذا فتحت أبواب أخرى قد يصبح الناقد منتقدا حينها، فهل سيتقبل ما يكتب عنه ؟! لن أسبر أغوار الأشخاص ولكن ما يمكن قوله بشكل عام إن المجتمع محب للنقد غير متقبل له لأننا قرنا النقد بالاتهام والهجوم وفرض العقوبات ومن ثم نسور هذا كله في سور النقد.
ولكن مع ذلك ما زلت أعتقد أن البداية لا تخلو من الجهل ومع مرور الوقت تتكون التجربة وتتراكم المعلومات حينها فإن الخطأ يصبح متعمدا ولكن لا يعني أنه لا يغفر وأن نسخر للنيل من هؤلاء الأشخاص وإدخالهم سجن المجتمع الذي لا يرحم بل ينتظر الفريسة ليرميها بالحجارة حتى تخدش. وفي الوقت ذاته يغتر المجتمع ببعض الكلمات التي يخطها أحدهم وينشرها في وسائل التواصل المختلفة أو وسائل الإعلام التقليدية أو يقوم بوضع قائمة كتب يقول إنه قرأها في أسبوع فيتم الاحتفاء به ووضع وسام المثقف المثالي الذي يحتذى به وأعتقد أن هذا ما حصل مع أحد الكتّاب الذي ذكرت في الأسطر الأولى أني أتحفظ على حالته والاتهامات التي كيلت له حيث إن ذلك الكاتب (المثقف) لا زال في بداياته ولكن المجتمع جعله يعيش في هالة المعجزة فبذل كل ما في وسعه حتى يحافظ على هذه السمعة التي تكونت حوله مما اضطره إلى اللجوء لبعض المؤلفات واختيار ما يتناسب وطبقته الثقافية العليا التي اكتسبها من أول سلم صعد فوقه وقد يكون اللجوء لتلك المؤلفات إما جهلاً باستخدام طرق التوثيق أو لاعتقاده بأن هناك الكثير من الحالات التي سبقتة ولم يتم كشفها وبذلك فإن جعل المجتمع في دائرة المغفل ليس صعباً ولكن لم يغفر له عثرته وكنت أتمنى أن يتعامل معه كتلميذ لا يزال يتعلم وليس مجرما لابد من معاقبتة مما اضطره لفرض العقوبات على نفسه وحبسها عن وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن إذا افترضنا أن الكاتب قاصد ومتعمد ما قام به مستغفلاً المجتمع في تصرفه ذاك أليس هناك من ينشر له وقبل النشر يتطلب التدقيق والمراجعة وخاصة الكتب والمؤلقات باختلافها والتي تسطر مجموعة من الأسماء على أنهم مدققون ومراجعون وغيرهما من المسميات التي تختفي ما أن تظهر هكذا مواضيع، ألا يتحمل هؤلاء الأشخاص المسئولية أيضاً بل المسؤولية كلها لأنهم قاموا بمراجعة ما كتب واعتمدوه، فإذا كان الكاتب غير صادق وغير دقيق فيما كتب فكان من الأولى أن يتم كشف ذلك من خلالهم وأن يحل الموضوع قبل أن تصرف آلاف الريالات على الطباعة والنشر فالأدق أن ينتقد المراجع والمدقق قبل الكاتب.
وأخيراً وما لفت انتباهي بعد أن نشرت مقالات كاشفة عن هذه الحالات ظهر بعض الأشخاص والذين لم يهمهم من الموضوع إلا اسم المؤلف أو الكاتب فانهالوا عليه بكلمات لا تليق ومستوى الموضوع (الثقافي والأدبي) لأن الكلمات المستخدمة بعيدة تماماً عن هكذا مواضيع فلننتقي الكلمات وإن كانت المواضيع مؤثرة وكبيرة، ليس من الضروري ركن الاحترام جانباً لفرد العضلات.


الأربعاء، 11 نوفمبر 2015

سفرجت


على مقعد في سينما بإنجلترا أخذت مكاني في القاعة التي ضمت عددا قليلا جداً من الرجال وامتلأت بالنساء اللواتي تدل أشكالهن على أنهن تجاوزن الأربعين وهو الجيل الذي مازال مهتما بالقضايا الجادة في المجتمع البريطاني وكأنهن أتين ليناصرن إميلين بانكيرست رئيسة حركة سفرجت التي مكنت المرأة البريطانية من اكتساب حقها في التصويت عام 1918م عندما صوّت البرلمان البريطاني لإعطاء المرأة التي يتجاوز عمرها الثلاثين الحق في التصويت وفي عام 1928م خُفض العمر ليكون واحدا وعشرين وهو نفس العام الذي توفيت فيه إميلين، وذلك بعد صراع مع السلطة آنذاك والتضحيات التي قدمتها المرأة للحصول على حقها في التصويت سواء كانت تضحيات عائلية ومجتمعية في الوقت الذي ما زال فيه المجتمع البريطاني محافظ إلى جانب تضحيات العمل الذي هو مصدر أساسي للعيش في الطبقة الوسطى والفقيرة.
كانت إميلين تعيش مع زوجها وابنها الصغير في منزل جداً بسيط في إحدى ضواحي لندن ، كانت تساعد زوجها في توفير المال وذلك بالعمل في مصنع لغسيل وكي الملابس مع غيرها من النساء من نفس طبقتها اللواتي كانن يستحملن تصرفات المسئول اللاأخلاقية من أجل البقاء في العمل ، لكن إيميلين كانت تستفزها تصرفاته حتى أتى الوقت الذي حرقت فيه يده بعد أن كان يستفزها بعد انتشار صورتها في الصحف على أساس أنها ضد السلطة وخارجة عن القانون ومن هنا كانت التضحية بالعمل من أجل حفظ الشرف والمضي قدماً في الطريق الذي أختارته للمطالبة بحق النساء في التصويت ، وأما التضحية الأكبر عندما بدأت تشارك في المطالبة بحق المرأة في التصويت وإدخالها السجن مراراً كانت ردة فعل زوجها كردة فعل أي رجل في هذا العالم لا يقدر أمه وأخته وزوجته حيث أعتبر ذلك فضيحة وعار جلب لمنزله ولا بد من معاقبتها عليه فكان العقاب الأول طردها من المنزل وحرمانها من رؤية ابنها أما العقاب الأكبر والذي أكاد أجزم بأنها لو كانت تعلم به مسبقاً لما قادت هذه الحركة ألا وهو التضحية بأبنها وذلك عندما قام زوجها بتسليم ابنهما لعائلة ثرية ليعيش معهما فكانت الصدمة الكبرى لها والتي جعلتها تنهار ولكن إصرار الزوج على قراره جعلها لاتستسلم للأمر وتواصل مشوارها من أجل بنات جنسها وهذه أكبر تضحية ضحت بها إميلين ، ولكن في مقابل أنها فتحت باب للنساء الأوروبيات للمطالبة بحقوقهن في السياسة ومن ثم على مستوى العالم وكان آخرها السعودية التي سمحت للمرأة بالتصويت في عام 2015 أي بعد حوالي سبعة وتسعين عام.
هذا الفيلم الذي سلط الضوء على حياة إميلين وضّح الكثير من النقاط التي غابت عن البعض ألا وهي أن النجاح والحصول على الحقوق لابد أن تسبقه تضحيات كثيرة ومعاناة وحصول المرأة البريطانية على حق التصويت جاء بعد صراع وهي الآن تتمتع بالكثير من الحقوق ومنها الحقوق السياسية وحقها في البقاء مع طفلها لفترة طويلة حيث أن إجازة الأمومة ستة أشهر براتب كامل وبنصف راتب بعد الستة أشهر ، ولكن أن مقارنة وضع المرأة في المجتمعات العربية أو الخليجية بشكل خاص مع مجتمعات العالم المتقدم تعتبر مقارنة غير متكافئة ليس من باب أنهم الأفضل أو أكثر انفتاحاً بل لعدد من الأسباب أن تلك المجتمعات سبقتنا بقرون لتصل إلى الوضع الذي تعيش فيه الآن والمحافظة على الإنجاز البشري والتركيز على العقول بدلاً من الأدوات التي تحتاج إلى عقول ناجحة لتشغلها وتستثمرها مع أنها أي تلك الدول ما زالت تواجه تحديات كثيرة ومنها تحدي الدين الذي تاه عنه الكثيرون وهذه نقطة ضعف تحاول أن تصححها تلك الحكومات بطرق غير مباشرة ، ولكن هذه التحديات ليست على حساب المضي بالبشرية للأمام وقد يكون أقرب مثال يمكن أن يضرب هنا البنية التحتية والمباني التي تحكي عن عمر تلك الحضارات أما المجتمعات العربية العربية فهي الآن في مرحلة التغيير وتحتاج الكثير من الوقت لتصل لمرحلة الانفتاح الفكري النافع وتقبل الآخر والاختلاف معه ، فالاختلاف مقياس لتحرك المجتمعات نحو التغيير وأما الاتفاق فيعني بأن هناك رأيا واحدا مسيطرا يحاول أن يفرض على الجميع .
فيلم سفرجت لم يرو حياة إميلين بانكيرست بتفاصيلها الحقيقية بل زاد في بعض التفاصيل وغير بعضها وقد يكون للمخرج هدف من ذلك على الرغم من يقينه أن المجتمع البريطاني يعي قصة هذه المناضلة السياسية وأعتقد أنه أراد أن يكسب عاطفة المشاهد خاصة فيما يتعلق بطفلها وتضحيتها به فهذه الجزئية التي لم ترد فيما كتب عن حياة إميلين، العاطفة أسهل طريق لحشد الجماهير في كافة المجالات .



 

الثلاثاء، 10 نوفمبر 2015

إيما


 راوية إيما للكاتبة جون آوستن لم تكن مجرد رواية عن إمرأة كانت تحاول أن تجمع رأسين بالحلال (الزواج) بقالب كوميدي رومانسي لفتيات الطبقة الغنية اللواتي يعانن من الخوف من عدم الزواج آنذاك (القرن التاسع عشر) على الرغم من فشلها في أكثر من محاولة ، ولكن الرواية حملت بين طياتها الكثير من تفاصيل المجتمع البريطاني بشكل خاص والأوربي بشكل عام فهي رواية وثّقت لتاريخ إجتماعي ثقافي لتلك البقعة من الأرض وهذا ما يحتاج إلى أن يعرفة الجيل الحالي الذي لم يعرف عن الثقافة والمجتمع الغربي إلا إنفتاحه اللامحدود والعيش من دون سقف للحرية في التصرفات والأخلاق وطبعاً التعبير عن الرأي ومحاولة التقليد دون أن يعي التدرج الذي أوصل بتلك المجتمعات إلى هذه المرحلة ، حيث أن هذه الرواية في فترة كانت المجتمعات الأوربية المحافظة تعترف وتحترم العادات والتقاليد والدين الذي كان أساس في تعاملات البشر والمرجع لحياتهم وذلك قبل أن تعبر إلى ضفة الحداثة بكافة جوانبها ،أي فترة أشبة بطبيعة حياة المجتمعات العربية اليوم.
كانت إيما (الخطّابة)  تحاول أن تُقرّب إثنين لبعض لكي يتزوجا وذلك بعد أن تحلل شخصية كل واحد من الجنسين وتقوم بإختيار الأنسب حسب وجهة نظرها وأن كان الشخصين لا يتقبل أحدهم الآخر وأحياناً تفرض رأيها في علاقة شخصين حتى لا يتزوجا وتحاول جاهدة إلى إفساد الزواج إذا لم تكن مقتنعة به ، ولكن إيما لم تنجح في مسعاها إلا في توفيق عدد بسيط وذلك لأن بعض الرجال وقعوا في حبها بدل من التقرب للطرف الآخر كما خططت إيما ، فأنتهى بها المطاف إلى أن تزوجت الرجل الذي كانت تحاول أن تقربه إلى صديقتها ، وبهذا كانت رسالتها أن الزواج ليست تشكيلة بشرية يمكن أن يشكلها أحد البشر (طرف ثالث) كما يريد بل هو تقارب بين روحين قد ينجح أو يفشل حسب طبيعة الشخصيات، وأعتقد بأن هذه الرواية كانت رسالة صريحة لتلك المجتمعات في تلك الفترة بأن لعب دور الوساطة بين شخصين قد لا يأتي ثماره وأن يترك الاختيار للطرفين لأختيار شريك الحياة ، فهذه من الروايات التي أحدثت نقلة في المجتمع البريطاني ووالأوربي بشكل عام ، بعد أن كان الزواج تلك الفترة من الروابط المهمة في المجتمع قبل أن تظهر فكرة الشريك (البارتنر) والتي تقوم على أساس أن يتشارك المرأة والرجل في مسكن واحد دون أي رابط إلا الرابط العاطفي والتفاهم وقد ينجبا أطفال وبعدها قد يقررون الزواج أو الأنفصال ، وهذه من نتاج الحياة العملية التي تركز على العمل أكثر من الأسرة والحياة الاجتماعية التي يحاول البعض في المجتمعات العربية تقليدها دون التفكير في نتائجها وما تعاني منه المجتمعات الغربية اليوم من تفكك أسري ودمار مجتمعي تحاول المؤسسات الاجتماعية والحكومات إصلاح ما يمكن إصلاحه من خلال وسائل الإعلام المختلفة .







الثلاثاء، 20 أكتوبر 2015

لا تزيدوا الهوة بينهما

أتذكر ردة فعل صديقة بريطانية لي عندما أخبرتها بأن أمي لا تجيد القراءة والكتابة ولكنها كانت شديدة الحرص على أن نكمل التعليم حتى أعلى مراحله ؛لا تعلم ماذا نتعلم ولكن كانت تحرص على أن نكون أنا وأخواتي وأخي مجتهدين في مدارسنا توقظنا قبل ساعات الفجر تجلس بجانبنا حتى ننتهي من المذاكرة لا تنام حتى ننهي واجباتنا المدرسية ، توبخنا إذا لم نحصل على مراكز متقدمة وعندما أنهينا تعليمنا المدرسي كانت تقول لكل واحد منا  اختاروا اللي يناسبكم من تخصص في الجامعة ولكن بشرط أن تكونوا قادرين على إكماله بنجاح) لم تكن تعلم ما هو معنى النجاح لكنها تسعد بنتائجنا، كنت أحكي التفاصيل و ريتشل (البريطانية) منبهرة مما تسمعه من تجربتي الخاصة والبسيطة كتجارب الكثير من النساء العمانيات ، بعدها قالت: لن نسبققكم بالكثير ويبدو أنكم ستتجاوزوننا , بل أنتم قدوة يجب أن يستمع إليها العالم حيث لم أتوقع أن المرأة تحظى بكل هذا الاهتمام . كان هذا الحديث قبل يوم المرأة العمانية بعدة أيام ، هذا اليوم الذي يحتفل به المجتمع منذ ما يقارب الخمس سنوات وفي كل سنة تطرح نفس الآراء حول المرأة ومن هي المرأة التي يجب أن يحتفل بها وغيرها من المواضيع التي تتكرر كل عام وتتكرر معه نفس الوجوه (قص ولصق) في المقابل تزيد أعداد الاحتفالات بعضها شكلية فقط تقام لغاية في نفس من نظم الاحتفال وبعضها مفيد كالندوات أو المحاضرات لكن فائدتها وقتية تكون توصياتها مادة دسمة في وسائل الإعلام حينها لكن تطير مع الهواء الساخن الذي يمدد الأشياء فتٌرى كبيرة وبعد ذلك يتركها لتكمل طيرانها وقد تسقط في البحر حيث من الصعب العثور عليها.
وحتى المقالات التي تُكتب تزامناً مع هذا اليوم تكرر نفسها تحلل وتتفاءل مرات وتتشاءم مرات أخرى وتسلط الضوء على التحديات التي تواجه المرأة تطرح حلولا حسب وجهة نظر الكاتب تضرب أمثلة لنماذج نساء ناجحات ولكن لا شيء جديد ، لأن المرأة هي كائن بشري كالرجل حاضرة في المجتمع يجب أن لا نحمل هذا الكائن أكثر مما يحتمل ولا يجب أن نربطها بالنجاح دائماً وأن نربط أي فشل يمكن أن تمر به بالمجتمع والرجل فهي كأي إنسان يمر بحالات مختلفة في حياتة سواء فترات انكسار فترات نجاح وفترات هدوء ومنهن من فضلن التركيز في تربية أطفالهن حتى يصبحوا قادرين على المساهمة في المجتمع وهذا ما يعتبره البعض انتقاصا من المرأة العصرية وأنه تحجيم لدورها ألا يعلمن أن هذا أكبر نجاح للمرأة . أتعجب من بعض ممن يعممن الشعور بالفشل والخذلان أو الانكسار الداخلي وهن حققن نجاح يحسب للمرأة ولكن لم يحققن مأربهن التي بدأت تنكشف بعد أن اختفت وراء ستار صناعة المرأة المثالية أو لم يحصلن على مناصب عليا لسبب أو لآخر ويتكلمن عن سلطة الرجل عليهن وأن المجتمع لم ينصف المرأة مثل هؤلاء النساء المتشائمات يحاولن إحباط الآخريات بل أنهن يجرن المجتمع إلى منعطف خطير يزيد من الهوة بين المرأة والرجل (العدو) وكثير من النساء يتأثرن بهن باعتبارهن قدوة ولكن …
الرجل أيضاً يمر بهذه المراحل فليس كل الرجال ناجحين وهنا لا يمكن القول بأنهم لا يحصلوا على حقوقهم لذلك هم غير قادرين على مواصلة مشوارهم في الحياة فهناك حالات فردية وأسبابها قد تكون شخصية في كثير من الأحيان، كما أن كثرة الحديث عن المرأة أو استغلال إثارة هذا الموضع بين الحين والآخر يزيد من الهوة بين الجنسين فكثرة الحفر تزيد العمق ولكن تخلف أضرارا عند السقوط اجعلوا الخلق للخالق فلا شيء أجمل من العيش بسلام وحمد الخالق على هذه النعمة .
عند زيارتي لجبل شمس سألت فتاة تبيع ميداليات من الصوف والتي قامت والدتها بتصنيعها فقلت لها أين هي والدتك قالت تذهب لتتعلم القراءة والكتابة لتساعدنا في حل واجباتنا المدرسية… تحية لتلك المرأة في جبل شمس ولكل امرأة ورجل يكافح من أجل مستقبل عُمان .

خولة بنت سلطان الحوسني

الاثنين، 12 أكتوبر 2015

الشورى في العقل المعاق

لم أكن أرغب في الخوض في موضوع الانتخابات من هذه الزاوية التي سأتحدث عنها في هذا المقال لكن مع قرب فترة الانتخابات وتصاعد إعلان المترشحين عن أنفسهم وبمساندة من يدعمهم خرجت مجموعة كانت قد صرحت برأيها سابقاً وكثفت تصريحاتها عبر وسائل التواصل المختلفة وبالأخص الخاصة منها في الفترة الأخيرة لتؤكد على وجهة نظرها حول الموضوع وهي أن القبيلة لا يجب أن تكون عائقا في انتخابات مجلس الشورى بمعنى أن لا ننتخب من يمثل القبيلة التي ننتمي إليها وأن يكون الاختيار للكفوء والأنسب في تمثيل الولاية وهذا شيء لا يختلف عليه الجيل الحالي أو يمكن القول الجيل الذي أتيحت له فرصة التعليم بكافة مستوياته وما تبع ذلك من ثقافة ووعي بما يخص الصالح العام أولاً ، هذا لا يعني أن المجتمع وصل لمرحلة الوعي التام فمازال البعض يرشح من يمثل قبيلته بغض النظر عن الكفاءة ولكن من الملاحظ أن هذا التوجه في طريقه للتغيير وسيكون هذا النوع من النقاش في المستقبل مجرد ماضِ وسيكون التركيز على مواضيع أكثر أهمية لمستقبل عُمان ، نعيش فترة انتقالية بين الأجيال وهذا النوع من التوجة القبلي أراه طبيعيا في الفترة الماضية والحالية (الانتقالية) وهو في طريقه للتغيير ونماذج الفترة السابعة في مجلس الشورى هي أكبر دليل على ذلك وبأن الاختيار كان لمن هو مناسب ليكون ممثلا عن ولايتة وعن وطنه عُمان أولاً ومن المتوقع دخول أصوات مماثلة في الفترة الثامنة وجوه شابة طموحة وهي الآن في طريقها للمجلس نادت بالتغيير العقلاني أو التغيير الإيجابي الذي لا يلغي دور المؤسسة الاجتماعية بل يهيئها ويؤقلمها للتعامل مع التغيير الذي ينشده المجتمع ولا يعتبرها عائقاً للتقدم ، فمن يعتقد أن الجبال هي عائق طبيعي يجب أن ينسف فهذا لا يعلم أن الجبال خلقت من أجل حفظ توازن الأرض وبإزالتها أختل هذا التوازن هكذا هي القبيلة تحافظ على البناء المجتمعي والأسري وإذا نفيت فسينهار هذا البناء .
اتفق تماماً مع التوجه الذي يعزل جميع المعطيات التي لا داعي لتكون حاضرة في انتخابات المجلس ويبقى على لائحة المواصفات التي يجب أن تتوافر في المترشح ، ولكن هناك زاوية اختفت خلف هذا التوجه إلا وهي أن البعض في ترويجهم لهذا المبدأ كانوا يروجون أيضاَ بشكل غير مباشر بأن على الناخب أن يبرهن للمجتمع ترجمته لهذا التوجه بأن يقوم باختيار المترشح الذي لا يمثل قبيلته بغض النظر عن الكفاءة والأفضلية وهذا هو الفخ الذي يجب أن ينتبه له الجميع فقد يكون المترشح من نفس القبيلة هو الأفضل من بين المترشحين من نفس الولاية ، لذا يجب أن لا يأخذنا حماس التخلص من الانتماء القبلي في الانتخابات وأن لا ننظر لها بأنها عائق فقط ، فالقبيلة هي أساس المجتمع العماني وجميعنا نفتخر بهذا الترابط الاجتماعي الذي أبقى على نظام الأسرة العربية والإسلامية بينما غاب في مجتمعات أخرى فأصبحت مجتمعات مشتتة اجتماعياً وفي الوقت نفسه يجب أن لا تجرنا العاطفة الزائدة لاختيار ابن القبيلة ولا الانفتاح الزائد في اختيار الآخر الأقل كفاءة ، فالاتزان رأس الحكمة وكما يقول المثل العماني (عقلي في رأسي وأعرف خلاصي) . من ناحية أخرى يجب على المترشح للإنتخابات أن لا يركز في دعايته الانتخابية ورؤيتة لأبناء القبيلة فقط ومن الأفضل أن يتوجه لجميع سكان الولاية ليكون الاختيار للأنسب والأجدر بالاختيار ، هناك تجربة لأحدى الولايات ذكرها لي أحدهم بأن يقوم سكان الولاية بعمل انتخابات مبدئية إذا كان عدد المترشحين كثيرا من نفس الولاية وبالتالي يتفق الجميع من كافة القبائل على ترشيح الثلاثة الذين حصلوا على نسبة تصويت أعلى في الانتخابات المبدئية وبالتالي تذهب جميع الأصوات لهؤلاء الثلاثة بمن فيهم المترشحون للانتخابات الذين لم يتم اختيارهم باقتناع الجميع بأهدافهم وتمكنهم من تمثيل الولاية خير تمثيل.
ما أردت قوله بأن من أراد الخير لبلاده يجب أن لا يسعى لتدمير أساسها واعتباره عائقاً وأن نساهم في جعل هذا الأساس متماسكاً وأما الاختيار لمن يمثلني أو يمثلك في الشورى فقائمة الأولويات موجودة في عقل كل واحد منا وأن ينتظر إلى الشخصية التي تستحق أن تحمل صوت المواطن لقبة المجلس.