الأربعاء، 9 فبراير 2022

ريان

 

 أصعب أنواع الكتابة عندما تكتب ومصدر كلماتك قلبك الواقع في بئر على مسافة اثنان وثلاثون متراً تحت الأرض وأدناك ثلاثون متراً، تخرج الكلمات وكأنها أنفاس طفل يصارع من أجل الحياة على مدى خمسة أيام أو أقل كأنفاس الملايين التي انحبست من أجل لحظة خيبت أملهم بعد دقائق بسيطة من الفرح، الفرح الذي انتظرته أمهات جفت أعينهن من شدة البكاء وآخرون جفت ألسنتهم من الدعاء يتحينون وقت الصلاة لتكون ختامها سجدة دعاء من أجل ريان، أجساد أنهكها تعب سهر الانتظار لكنهم صمدوا فهم يعرفون أنه لم يكن كتعب وألم ريان، خمسة أيام لم نكن نعرف إلا ريان، خمسة أيام جعلتنا نتسمر أمام شاشات البث الحي ونراقب الترند في وسائل التواصل الاجتماعي لعل كلمة تبثُ الأمل في القلوب المكسورة، الكل كان يدعي ويتوسل إلى الله بأن تعود لتلعب بجوار ذلك البئر ولتشرب من بئر آخر، لتعود لبيت جدك وتتناول الفطور وتطلب من أمك وجبتك المفضلة للغداء ولتخلد للنوم في سريرك الصغير الذي لم يشبع منك فقد تكون قد انتقلت إليه منذ سنتين فقط بعد أن غادرت المهد. لم يعرف أبيك بعد ما هو مستواك الدراسي هل ستكون مشاغباً ام ابناً مجتهداً، لم تختر أمك حقيبتك المدرسية ولم تودعك إلى باب الباص كل صباح، لم يكتفي أخوتك من اللعب معك ولكن لماذا تركتهم وذهبت للعب بمفردك بجانب البئر؟

هي تساؤلات كثيرة ولدتها غصة عميقة في قلوبنا وذكرى مؤلمة في عقولنا فمن يمكن أن يلغي من الذاكرة ذلك المشهد ووجهه معفر بالتراب والدم يسيل عليه وحبل الأكسجين معلق أمامه، وأخبار وضعيته التي امتلئت بها رسائل هواتفنا ومانشيتات الأخبار العاجلة (حرك يده إلى فمه)، (حرك رأسه) ورسالة أخيرة (استلقى على جنب) وقد تكون تلك هي الحركة الأخيرة التي لم ترد بعدها أخبار عن وضعه في تلك الحفرة.

يا ترى هل كان يسمع صوت الحفارات وهي تشق الجبال للوصول إليه، هل تحدث إليه علي الصحراوي عندما اقترب منه في الأمتار الأخيرة حفراً بيده ليطمئنه، هل كان يستمع لدعاء الآلاف الذين تجمهروا على البئر وهم يرددون الأدعية ليلاً ونهاراً، هل كان يعرف أن أنشودة محمد الوهيبي (ستعود ريان) بثت فينا الأمل بعد أن طمئن ريان بأن لا يخشى من ظلام البئر وطمئننا أن الأرض أمه وكأنها رسالة من ريان يقول انتظروني سأعود ولكن عاد إلى بارئه.

بعد كل هذا الحدث الجلل هل ستقوى أسرته على المكوث في نفس المكان وهم يمرون يومياً على آثار الحفر وعلى مدخل البئر الكئيب؟!!

لكن لماذا ريان؟ كما يتساءل البعض وأقول البعض لأن هذا السؤال لم يتبادر إلى ذهني ولو للحظة لأن العاطفة والإنسانية تسري في قلوبنا فطرة وبدون استئذان، كما هو ريان الذي لم يستأذننا للدخول إلى قلوبنا لم يجبرنا على الدعاء له والبكاء خوفاً عليه، ولكن قد يكون تساؤلهم لأنه هناك آلاف الأطفال يموتون وهم يعذبون ويقتلون ويسقطون في آبار!! ولكن لم تكن ردة الفعل كما هي مع ريان، هل الإجابة كما قالها احدى مراسلو القنوات الإخبارية: (هو ملاك اتى ليجمع الأمه بعد شتات!!) نعم ريان تمكن من أن يجمعنا لنوحد الدعاء ويصلي الجميع من كافة الأديان من أجله وثم رحل حتى لا ننساه وعزائنا فيه أنه طير من طيور الجنة عند رب رحيم غفور، أو لأنه حالة جديدة مفردة في مكان لم يكن يعرفه الكثيرون بينما الأطفال الآخرون هم في مناطق صراع ودمار أعتدنا على سماع أخبار حزينة يومياً منها فلم تعد تأثر فينا كما يقول بعض المحللون، كثرت وستكثر التحليلات ولكن يبقى ريان استثناء لا يعرف سره إلا هو.. رحمك الله أيها الطير البريء قدرك ان تغادر تاركاً نهاية قصتك مفتوحة.

نم بسلام في سريرك الأبدي أدعيتنا تحرسك










  https://www.wisal.fm/cms/2022/02/75796: رابط المقال في موقع إذاعة الوصال

 

 

 

الأربعاء، 31 مارس 2021

المهاجرون… رحلة اللاعودة

 

بعد انقطاع دام السنة والنصف عن قراءة الروايات للتركيز في أجواء الدراسة عدت لقراءة رواياتي المفضلة وهي الروايات التاريخية التي تحمل بين طياتها عمق تاريخي معرفي  كونها تقدم معلومة تسهم في قراءة واقع الشعوب والدول في الفترة التي كُتِبت عنها، وبما أني عشت تجربة الهجرة المؤقتة من أجل العلم ومعاناتها على الرغم من قصر الفترة، لذلك اخترت أن أبدأ العودة للقراءة مع الرواية السويدية المهاجرون لكاتبها السويدي فيلهلم موبيرغ،وهي الرواية الأولى لملحمة رباعية تاريخية كتبها موبيرغ عن المهاجريين السوديين تلتها رواية في البلاد السعيدة ثم المستوطنون الجدد وآخرها الرسالة الآخيرة إلى السويد.

المهاجرون رواية حملت بين طياتها معانة السويديين والأسباب التي جعلتهم يغادرون الأرض التي نشأوا فيها تاركينها إلى اللاعودة، لذا أسهب الكاتب في التفاصيل كونه عاش المعاناة، وبما ان الرواية مترجمة للعربية فقد تكون الترجمة أفقدتها جانب التشويق في بعض الاحداث فجاءت مملة أحياناً وخاصة التفاصيل التي دارت على متن السفينة التي شهدت الهجرة الأولى.   

 دارت أحداث الرواية في القرن التاسع عشر وبالتحديد في سنة 1850م، في أبرشية ليودر الواقعة في مقاطعة سمولاند بالسويد حيث نشأ الكاتب وعاشت عائلة نيلس ابن يعقوب، من هناك بدأت أحلام هجرة السويديين إلى أمريكا أو كما يسمونها آنذاك العالم الجديد، تلك الاحلام التي لم تتشكل خلال فترة القيولة أو النوم ليلاً ولكنها كانت أحلام يقظة في عقول داخل أجساد مرهقة ومتعبة من ذل الحياة ومرارة العيش التي كانت معظم شعوب أوربا تعاني منها آنذاك بسبب الظلم الإجتماعي وسوء توزيع الثروات والعبودية وسيطرة نظام الكنيسة والرهبنة القمعي. وبما أن معظم أهل المقاطعة يعملون في الزراعة حيث لم يكن يعرفوا من الحياة الإ تراب الأرض وما يزرع بها من أشجار للانتفاع منها للأكل وأستخدام حطبها لإشعال النار شتاءً وإطعام الحيوانات لأستخدامها في التنقل وأكل لحومها، لذلك ما أن يبلغ اطفالهم الثامنة حتى يبدأون في العمل في أراضِ المزارعين الذين يملكون مساحات كبيرة أو إقطاعيات، ويقضي الطفل حياته لخدمة تلك العائلة فهو عبد لديهم لا يحق له التمتع بحياته أو حتى زيارة أهله ما لم يسمح له ذلك ويخصص له سرير في أسطبلات الخيول أو غرف الأبقار والماعز ولا يحق له أن يطلب غير ما يقدم له وقد يتعرض للضرب والعنف إذا اشتكى أو لمح برغبته لتحسين وضعة وهذا ما حدث لروبرت ابن عائلة نيلسن لذا استسلم للأحلام والطموح والتي أخذته للتفكير في العيش خارج هذا الإطار المعيشي البأس لأن يكون مزارع في بلد آخر حيث يعامل كإنسان يكسب من أجل لقمة عيشة، وبما أن روبرت كان يطّلع منذ صغرة على الأخبار التي كانت ترد من الدول والعوالم الأخرى فكر في الهجرة إلى أمريكا حيث كانت الكثير من القصص والأخبار تتداول عنها وكأنها البلاد الوردية التي تتحقق من خلالها الأحلام لا يسكنها الفاسدون، ولكن الحلم كان صعب المنال حينذاك، وبعد أشهر من المعاناة اضطر للهرب من مالكه واللجوء إلى عائلته التي كانت ستعيده إلى رب عمله لكونه وفق القانون مخالف ويحق معاقبته ويسلم لرب عمله لمعاقبته كيفما يشاء، ولحسن حظة وجد آخية الكبير وهو كارل أوسكر الذي اتعبه الوضع الإقتصادي وفقدان ابنته الكبرى يفكر بنفس تفكير أخية ومن هنا بدأ الحلم يقترب من الواقع، وخاصة أن الكثير من أهل المقاطعة  كان لديهم نفس الحلم لكن من دون أن يبوحوا به خوفاً من العواقب، منهم أولائك المناصرين لعقيدة الآكية المحافظة التي تمنع تناول الكحول وهي جماعة دينية متشددة يطبقون تعاليم الكنيسة الأولى، منعتهم الكنيسة من إقامة إجتماعاتهم الدينية البسيطة وبسبب التضييق الذي كانوا يعانون منه قرروا الهجرة إلى بلد كان يشاع عنها بأنها قارة يعيش الكل سواسية فيها ويمارسون طقوسهم كيفما شاءوا فهي بلد الحرية.

يوم بعد يوم بدأت الأعداد تتزايد حتى أتى يوم الهجرة الموعود، وبالرغم من ان الحلم بدأت خيوطة تنسج إلا ان الخوف كان ملازم للجميع وخاصة كريستينا زوجة كارل أوسكر التي قرأت عن البحر الذي سيسافرون من خلاله الكثير من القصص المرعبة والتي تنتهي في قاعة قبل الوصول إلى الوجهه، ولكنها ألتزمت الصمت ورافقت زوجها في رحلة اللاعودة بصحبة أطفالها الثلاثة والرابع الذي كانت تحملة بين أحشائها، وذلك من أجل تأمين مستقبل آمن لأبنائها وذريتهم. ومن ميناء كارلسهامن انطلقت الرحلة الموعودة على متن سفينة تشارلوتا وهي سفينة شحن كانت تنقل البضائع ولكن بسبب طمع ربانها لكثرة المسافرين فنقل من خلالها أجساد كانت تتوق لرؤية العالم الآخر والعيش بطعم الحرية الذي لم يذوقوه في حياتهم بل سمعوا عنه فقط. بدأت قصص معاناة أخرى على منتن السفينة وقذفت الكثير من الأجساد في قاع المحيط وبقى من تشبث بأمل الحرية بمشاعر غير واثقة وغير مستقرة. كانت هذه أولى الأسر التي غادرت السويد تبعتها هجرات كثيرة حتى وصل عددهم إلى المليون مهاجر أي ما يعادل ربع السكان آنذاك.

اختتمت الرواية بنهاية مفتوحة تجبر القارئ على قراءة الرواية التي تلتها وهي رواية في البلاد السعيدة والتي يبدوا من عنوانها بأنها تحمل تفاصيل مغايرة عن رواية المهاجرون التي كانت كئيبة حيكت في زمن أسود قاتم عاشه الأوربيون قبل قرنيين من الزمن ويعيشه العرب في هذا العصر، لذلك فأن جميع المشاهد التي قرأتها بين سطور الرواية شاهدتها منذ أشهر قريبة في شاشات التلفاز عندما كان العرب يهاجرون لنفس الأسباب الاقتصادية التي ولدّتها الحرب والأنظمة العربية الاستبدادية الفرق أن السويديون غادروا موطنهم ووفق نظام السفر وبوثائقهم الحقيقية ولكن العرب غادروا في ظروف لاإنسانية لوجهه مجهولة، حملوا أجسادهم فقط ليرموا حملهم في أقرب شاطيء يأمن لهم السلام والأمان، السويديين هاجروا قبل قرنيين أم هجرة العرب فكانت في القرن الحادي والعشرون؟!!!  


رابط المقال المنشور في جريدة الوطن

http://alwatan.com/section/calture/page/2                                             

 

 


الاثنين، 23 نوفمبر 2020

من يملك علاج الهدم

  مضت سنوات منذ أن قاد العقل البشري المستنير العالم إلى مراحل عميقة لاكتشاف المجهول ورؤية مكنونات المستور فانتقل بعد أن عمّر الأرض وارتكز فيها إلى خارجها؛ ليتأمل ويتفكر وليتشعب بالعلم ويمهد الطريق لحياة أوسع قد تكون أكثر أماناً واستقراراً وبموارد متعددة، متخطياً بذلك المشاكل السطحية التي كانت تقف عائقاً للنمو والتقدم، ولكن يأبى بعض البشر أن يترك لعقله العنان ليسمو أو بعبارة أخرى “تخلف مقصود” لذلك نعود ونناقش قضايا من المفترض أننا تخطيناها وأصبحت من الماضي. 
قضايا لا يستفاق منها إلا بعد أن يصل الشخص إلى مرحلة الفقد المبني على أسباب يصنعها بنفسه والتي يمكن تسميتها بفقد الهدم، وأقول الهدم لأنه هدم للمستقبل سواء كان على المستوى الفردي أو الدولة والمجتمع ولهذا الفقد تأثير أكبر من أي فقد آخر لأن تراكماته تشمل مصير شعب وتظل تبعاتها لسنوات وعلاجها يحتاج إلى ابتكار عقاقير تعالج الضمير وتنشط خلاياه الميتة.
هذا المرض يدعى في علم الإدارة بالترهل الوظيفي أو البطالة المقنعة وهو ورم يجب أن يعالج قبل علاج مشكلة الباحثين عن عمل التي نعيش دوامتها في هذه الأيام وما تبعها من قرارات بين ضد ومع، فحل مشكلة الباحثين عن عمل تكون فعلياً من خلال إيجاد الوظائف ووضع السياسات وليس حشو المؤسسات بالبشر حتى لا نترك مرض الترهل الوظيفي يتغلغل بشكل أكبر فتذهب الأجور في غير محلها مع ضعف الإنتاجية كما هو الحال في الكثير من المؤسسات وبالأخص الحكومية. وقد يكون المثال الأقرب لتفشي هذا المرض عندما قُلص نسبة الموظفين إلى 30% في بداية انتشار جائحة كورونا فاستمر العمل ولم يتأثر كثيراً؛ لأن من كانوا يعملون استمروا في عملهم وعززوا من إنتاجيتهم.
حسب إحصاءات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات فإن معدل 2.8 من إجمالي عدد سكان السلطنة البالغ 4.6 مليون نسمة للعام 2019 فقط، ينتظرون الحكومة لتقدم لهم الوظيفة، هؤلاء قد يساعدوا في حركة التنمية وقد يثقلوا هذه العجلة إذا ظهر منهم من يزيد من ظاهرة الترهل الوظيفي التي لها آثارها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إضافة إلى ضعف الأداء والمنافسة.
هؤلاء بحاجة إلى التحصين قبل مخالطة المصابين وخاصة الحالات الحرجة  وهم من يمثلون النوع الثاني إذا ما افترضنا أن هناك ثلاثة أنواع من الموظفين من حيث الهدف الذي سعوا إليه في الحصول على وظيفة، النوع الأول الطموح الذي سعى للوظيفة ليعطي ويضيف ويطور ولديه طموح في السلم الوظيفي يسعى إليه بجهده ويستغل مهاراته، وهناك نوع آخر من سعى للوظيفة من أجل الحصول على المال فقط مؤمناً بأن الوظيفة حق من حقوقة متناسياً كل واجباته هادماً لوقت الإنتاجية، أما النوع الثالث فهو من يعمل من أجل الحصول على المال ولكن في إطار جهده أي يعطي في حدود مهامه الوظيفية فقط، النوع الثاني يجب استئصاله فوجوده كعدمه ومعدٍ لأنه صاحب مبدأ اعطني حقي ولا تطالبني بواجبي لدية قدرة على الإقناع وفي الحقيقة هو مجرد رقم مستنزف لموازنة الرواتب وشاغراً لطاولة وكرسي.
وبما أنه لا يمكن التنبؤ بهذا النوع إلا بعد شغره للوظيفة وحتى لا نثقل العجلة ونوقفها يجب دراسة سلوك وأهداف هذا العدد لتعزيز ثقافة العمل الصحيحة لديهم وبالأخص من نشأوا في بيئات أورثتهم مصطلحات وسلوكيات وظيفية خاطئة فكما سعى البعض للتعلم من أجل الشهادة فقط فهناك من سيسعى للراتب من دون إنتاجية ، ومن جهة أخرى لابد من ركن المجاملات جانباً وتفعيل ميزان العقاب والثواب في بيئة العمل لمن هم على رأس عملهم إلى جانب نقل القانون من الأوراق إلى الواقع فأرقام المركز الوطني للإحصاء والمعلومات تشيير إلى أن 76 موظفا فقط أقيلوا في 2019 بسبب الإنقطاع  عن العمل إذا كان هذا العدد يشمل النوع الثاني فهذا يعني بأن القانون لابد أن يتوغل من أجل المصلحة العامة مع تغيير آلية التقييم المتبع في الجهات الحكومية حتى يعي المقبل على الوظيفة بأنها واجب وطني تستغل فيه قدراته وجهده من أجل الوطن، فإذا طبق هذا النظام عندها سيشعر المقصر بألم الفقد عندما يفقد وظيفته سيعي حينها أن الوظيفة كانت أمانة ولم يقدر على حملها ففقدها.  

عُمان بحاجة إلى أياد منتجه تبنى مستقبلاً بأساس متين يكون قادراً على حمل من سيأتوا بعد هذا الجيل.

رابط المقال المنشور في موقع الوصال: 


الجمعة، 8 مايو 2020

كورونا والوافدين بين الإنسانية والواجب





ما أن بدأت أزمة كورونا منذ ما يقارب الثلاثة أشهر وما صاحبها من إجراءات وقائية للحد من إنتشار الفيروس وبما أن الموضوع يتعلق بحياة البشر وسلامتهم لأنه هم وقود الأمه وحتى لا تخسر الدول هذا الوقود والقوة التي تحركها فكانت التضحيات كثيرة من أجل سلامة الأرواح من ناحية، ومن أجل لا تتكبد الدول خسائر لا تحمد عقابها ما إذا تفشى المرض وبالتالي تكون نتائجها وخيمة على الشعب قد يحتاج سنوات للتعافي منها من ناحية أخرى. لذلك فأن التضحية كان لابد منها في الكثير من المجالات وأهمها إيقاف المدارس تلتها غلق المطارات والمعابر البرية والبحرية وتجميد الحركة التجارية بشكل عام وإغلاق مناطق وحظر التواصل الإجتماعي وغيرها الكثير.
وبما أن الإنسان هو المحور الأساسي في هذه الأزمة فكان لابد من إذابة بعض القيود وتجاوز بعض الجدران القانوينة التنظيمية فوجدناها تنحسر تدريجياً أمام هذه الجائحة لأن الإنسانية فوق كل إعتبار وهذا ليس بغريب عندما يكون الموضوع متعلق بمجال إنساني بحت ألا وهو المجال الطبي والذي يتعامل مع الإنسان متجاوز بذلك كل التساؤلات ومتخطيئاً العراقيل التي من شأنها أن تقف أمام الإجراءات الطبية، هنا تختفي كل القيود وتبقى الإنسانية سيدة الموقف.
فهذا ما حدث بالفعل عندما وصل الأمر للتعامل مع الوافدين وأقصد بذلك العمالة والذين يبلغ عددهم ما يقارب المليونيين حسب إحصائيات 2019 أي يشكلون 43% من نسبة السكان البالغ عددهم 4,6 مليون هذا إلى جانب العمالة الغير قانونية.
وبعد أن أعطيت جميع هذه الفئات الأمان وانصاعت للتعليمات لضرورة الخضوع للفحص فقد كشفت الإحصائيات الصادرة من وزارة الصحة بأن عدد المصابين من الوافدين حتى اليوم وصل إلى (1799) أي ما يعادل 62% من نسبة الإصابة الكلية البالغة (2903) كما أنهم مثلوا ما يقارب 54% من نسبة الوفيات الكلية التي وصلت إلى 13 حالة وفاة حتى الأمس.
ولكن لماذا ظهرت الكثير من الإصابات لدى الوافدين مع أن النتائج الأولى كانت تظهر الإصابات لعمانيين فقط أحتكوا بمرضى من داخل الأسرة الواحدة ولم يكن هناك نقل مجتمعي وفجأة أرتفع العدد ليطغى عدد الوافدين وبدأ الإنتشار في المناطق التي بها كثافة من االعمالة الوافدة كمطرح مثلاً؟!! الإجابة الحاضرة في الذهن والتي يعرفها الجميع هي أن بيئات سكن هذه الفئات قد تكون خالية تماماً من وسائل الصحة والسلامة وأولها التكدس في المبنى الواحد وقد يصل إلى عشرات الأفراد في غرفة واحدة يتشاركون مع باقي الغرف في نفس المبنى والتي تضم أيضاً العشرات في دورة مياه واحدة!! و لكم تتخيلوا باقي المشهد.
 ولكن هناك أسباب أخرى غير واضحة للجميع وسأركز على واحده منها والتي لفتت إنتباهي في هذه الأزمة ألا وهي أن عدد كبير من هذه الفئات ليس لديها تأمين صحي. فحتى الآن لا يوجد قانون يفرض على أصحاب الأعمال أن يأمن على العامل صحياً وبالتالي فأنهم لا يتجهون إلى المؤسسات الصحية وقت المرض لأن المبلغ الذي سيدفعه ولو كان بسيط يعتبر كبير بالنسبة له وخاصة من يتقاضى رواتب متدنية جدا في الشهر، وفي المقابل قد يكون صاحب العمل  غير قادر على دفع مبلغ التأمين للعامل. قد يقول قائل أهل الخير كثر ولن يتخلوا عنه وقت الحاجة... اتفق وعمان بها الخير وافر ولكن لماذا الإنتظار إذا كان بالإمكان تأمين الحصول على الرعاية الصحية سلفاً؟ 
في هذه الأزمة لو أفترضنا أن العامل موئمن صحياً لأتجه الكثيرون للفحص عندما أحسوا بالأعراض من البداية ولكن لم يقوموا بذلك إلا عندما تم الإعلان بأن الفحص مجاني للجميع عندها بدأت الأعداد ترتفع حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.
في الهند تجربة رائعه يمكن أن يستفاد منها في هذا الجانب وهي بسيطة ولكن آثرها غير حياة الملايين، فقد قام جراح القلب الهندي ديفي براساد شيتي صاحب سلسلة مستشفيات نارايانا في الهند (23 مستشفى) والمتوزعة في 14 مدينة هندية بتطبيق فكرة بسيطة جداً أنقذت الملايين من مرضى القلب. وذلك بعد أن لاحظ عدم قدرة الكثيرين على تحمل تكاليف عمليات القلب والتي تعتبر باهضة بالنسبة لدخلهم المنخفض، حيث أن 2 مليون ونصف شخص هم بحاجة لإجراء عمليات القلب سنوياً في الهند إلا أن 80-90 ألف فقط من كانوا قادرين لإجراء تلك العمليات ، فقام الجراح بالتعاون مع إحدى شركات التأمين والحكومة بإقناع المزارعين في أحدى المناطق النائية بالمساهمة بخمس ربيات أي ما يعادل 25 بيسة وبذلك تمكن من إجراء 60 ألف عملية قلب للمزاعرين في تلك المنطقة فقط وذلك بفضل الخمس ربيات ومن خلال تطبيق هذه الفكرة أيضاً تمكن من توفير خدمات صحية ل40% من المرضى الغير مقتدرين إضافة إلى المبادرات الأخرى لصالح المرضى. ويعتبر المستشفى اليوم أحدى النماذج الصحية العالمية كما أنه أحد أكبر شبكات التطبيب عن بُعد حول العالم.
لو طبقت هذه الفكرة مع الوافدين (العمالة) بإنشاء صندوق تأمين صحي بحيث يضمن لهم رعاية صحية جيدة  حتى في الحالات الصعبة دون الحاجة للعودة لبلدهم كما يحدث في الكثير من الحالات وبالتالي يستفاد من نفقات العلاج لتكون رافداً للقطاع الصحي بالسلطنة ، وسيساهم بشكل كبير في تأمين العلاج الضروري خاصة في الظروف الصعبه لهم وفي حالات الكوارث والجوائح التي تمر بها الدول.
وذلك إذا افترضنا أن يساهم كل شخص من 2 مليون من العمالة الوافدة بريال بذلك سيرفد الصنوق بما يقارب 24 مليون ريال سنوياً بهذه الفكرة يمكن توفير بيئة صحية ملائمة للعمل والاستفادة منهم دون أي أضرار على أرواحهم.
وأخيراً ..."خمسة معزولين عن بعضهم ضعفاء ولكن مجتمعين أقوياء"... جراح القلب ديفي براساد شيتي



رابط المقال المنشور في حساب إذاعة الوصال في موقع تويتر:






           

وقته..للتعامل مع الأزمة (2)



بما أن النفط هو أساس المشاكل الإقتصادية التي يمر بها العالم بين الحين والأخر ونحن اليوم نمر في واحده من أكبر هذه الأزمات أعاننا الله على تداعياتها، وبما أنه متهم أيضاً بشكل خاص والوقود الأحفوري بشكل عام في ظاهرة الإحتباس الحراري، مما جعل مجموعة من العلماء الإقتصاديين لإصدار بيان بمناسبة يوم الأرض 2015 بأن يظل ثلاثة أرباع أحتياطات الوقود الأحفوري في باطن الأرض لتجنب تداعيات الإحتباس الحراري على الأرض. فأن هذا سبب آخر يجعل من الزراعة حل مثالي لتكون مصدر دخل جيد وصديق للبيئة، وآمن إقتصادياً من خلال الإبتعاد عن ما ينتجه جشع المسيطرين والمتحكمين بأسعار النفط  من أزمات تثقل كاهل الشعوب والدول التي تعتمد عليه كمصدر دخل.
وبالنظر إلى الأزمة الحالية فأن للزراعة إيجابيات جمة كما ذكرت في المقال السابق من حيث الإكتفاء الذاتي في المنتجات الزراعية وبالتالي إيجاد سوق قوي تنشيء منه شركات توفر مختلف الوظائف وتقلل من نسبة الباحثين عن عمل والتي تزداد بشكل سنوي، وعطفاً على تجربة الصومال في هذا الجانب وغيرها من الدول التي كانت تعاني من أزمات أولها المجاعة والفقر المذقن وأستطاعت أن تتعامل مع تلك الأزمات من خلال التركيز على الزراعة وتشجيع الشركات الكبرى للمزارعين من خلال تطبيق مبدأ (CSV) خلق القيم المشتركة بحيث يتم مساعدة أصحاب الأراضي الزراعية والمزارعين من خلال توفير الإحتياجات الأساسية لهم ليكونوا قادرين على زراعة أراضيهم وتقوم بعدها الشركات بشراء منتجاتهم وتسويقها وبعد ذلك تحفيزهم على التسويق من خلال توفير وتيسير منافذ البيع ليكونوا قادرين على الإعتماد على أنفسهم وتكوين شركات مستقله بهم تحمي مستقبلهم وتضمن لهم إستدامة طويلة الأمد وتدر بالدخل على الدولة والمجتمع ، لذلك فأن مبدأ المسئولية الإجتماعية (SR) والذي يساهم في إنشاء جيل إتكالي ليس محبذ لدى كبار الشركات كون أن آثره قد يكون مؤقت.
 واحدة من أكبر هذه الشركات والتي يمكن الإستفاد من تجربتها في هذا الجانب هي شركة يارا العالمية وهي شركة أسمدة نرويجية تأسست في العام 1905، وعلى الرغم من الأزمات والمطبات التي مرت بها وأهمها الحرب العالمية الثانية 1941م، إلا أنها تمكنت من الصمود والصعود والتوسع عالمياً لتصبح حسب تصنيف مجلة فوربس الأمريكية 2017 في المرتبة (27) عالمياً من حيث الشركات المتعددة الجنسيات من أصل أهم 250 شركة متعددة الجنسيات. هذا النجاج تشكل بعد مقدرتها للتعامل مع الأزمات التي عصفت بها من خلال التنويع والتجديد في منتجات الأسمدة وإعتمادها على التقنيات الحديثة في الإنتاج إضافة إلى التركيز على إنشاء المراكز البحثية لتعينها على تطوير منتجاتها والتقدم على المتوفر في السوق على أن يكون غير ضاراً بالبيئة وهذا ما أشتهرت به يارا العالمية أيضاً. جميع هذه الأسباب وغيرها جعلت منها شركة عالمية ناجحة في مجالها تنتشر في أكثر من 165 شركة حول العالم. أما بالنسبة لتطبيقها لمبدأ القيم المشتركة فقد ساعدها هذا المبدأ لتكون عوناً للكثير من الدول الفقيرة بالأخص في أفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا وذلك من خلال دعم المزارعين وشراء منتجاتهم وتسويقها عالمياً ، وبالتالي حازت على ثقة المزارعين وحسنت من إنتاجيتهم وشجعتهم على ذلك وأستطاعت خلق أعمال مستدامة. ويعتبر مشروع تطوير ممر النمو الزراعي الجنوبي في تنزانيا (ساجكوت) من أهم المشاريع التي قام على أساس مبدأ القيم المشتركة مع المزراعين من خلال إستغلال الأراضي وخلق مئات الآلاف من الوظائف الجديدة المستدامة وبالتالي زيادة حصتها في السوق.
لو أستفيد من هذه النماذج الناجحة في عُمان لنشيء جيل معتمداً على الزراعة مهتماً بتطوير تقنيات إنتاجها كل ما نحتاج إليه هو التركيز على الهدف ، التشجيع والتحفيز والتسويق بأهمية هذا القطاع أولاً كمنافس للنفط للإقبال عليه من قِبل الشباب الباحث عن عمل وتوفير وسائل الدعم اللازمة للنهوض به. كما يمكن الأستفادة من التكنولوجيا الحيوية الخضراء (green biotechnology)  والتي تساعد في إنتاج النباتات معدلة وراثياً وتصنيع المبيدات الحشرية الغير كيميائية والأسمدة الحيوية وغيرها الكثير من التطبيقات التي تساعد في تطوير صناعة الغذاء وبذلك سنكون قادرين على زيادة نسبة الأراضي الصالحة للزراعة البالغة 7.07% من أصل المساحة الكلية للسطنة 31.43 مليون هكتار.

رابط المقال في موقع إذاعة الوصال:
https://www.wisal.fm/cms/2020/04/43171





الجمعة، 3 أبريل 2020

وقته... للتعامل مع الأزمة (1)




كما يقال سوف يبقى الفشل مراً ما لم تبتلعه، لأن عدم التعامل مع الفشل يعني النهاية والإستسلام لذا فلا بد من التعامل معه والاستفادة منه لتجنب أي عقبات قد تصادف طريق النجاح، وهذا ينطبق على أي شخص، مؤسسة أو حتى دولة فالفشل في مرحلة ما لا يعني النهاية بل قد يكون جرس إنذار لا بد من الاستفادة منه والتدقيق في العوامل التي أدت إلى ذلك للصعود سلم إلى الأمام، وهذا وضع الكثير من الدول في الوقت الحالي التي تمر بأزمات لم تكن في الحسبان بسبب ذلك الكائن الصغير والذي يدعى كورونا، وقد استخدمت كلمة الفشل لكونها كلمة مقرونة بالنجاح فلكي ننجح لا بد من المرور بهذه المحطة والتمعن فيها وتحليلها للإنتقال إلى خطوة متقدمة من طريق النجاح.
عُمان لم تكن بمنأى عن هذه الأزمات وعلى رأسها الأزمة الإقتصادية وهي أم الأزمات كونها المحرك الرئيس للدول والعجلة التي تسير الحياة فالدول تقاس بنجاح إقتصادها، وكالعادة فان المرور بأي أزمة ينشط المحللين والمتنبئين وكلاً يحلل حسب المعطيات ويضع الحلول المقترحة وغيرها وهناك من يلقي على اللوم على الأشخاص والمؤسسات وتكثر جملة (يا ريت لو كان) وكما يقول أخواننا المصريين (دحنا فيها) وعلينا التعامل معها والاستفادة منها ولو توقفنا وبكينا على ما مضى لن نتمكن من المضي قدماً وسنغرق في الدموع وعلينا ان نتمعن في التجارب الناجحة والتي أستطاعت ان تصمد رغم الرياح الشديدة والصخور الكبيرة وأن نستفيد من تجارب من سبقونا. جميعنا يعرف بأن عدم تنويع مصادر الدخل هي أهم عقبة نمر بها فما زلنا دولة تعتمد على النفط بنسبة تقارب (65%) كما أن هذه الازمة كشفت بأنه لا يوجد إكتفاء ذاتي في المنتجات الزراعية هذا ما جعل بعض هذه المنتجات يرتفع سعرها لكثرة الطلب وقلة المعروض.
بالعودة إلى عشرات السنوات كانت عُمان تعتمد على الزراعة كمصدر دخل أساسي إلى جانب صيد السمك هذا يعني بأن لدينا جيل خبير في الزراعة وورّث من جاء بعده على ذلك ولكن وأقولها بكل آسف هناك من يستهين ويستقل بالعمل في الزراعه ومن كان مهتماً فقد أولى المسئولية للوافد على الرغم من أن السلطان الراحل قابوس رحمة الله عليه أولى إهتمام بهذا الجانب وشجع عليه وليس أدل على ذلك من إنشاء كلية الزراعة والتي تسمى اليوم كلية العلوم الزراعية والبحرية  في جامعة السلطان قابوس في العام 1986م تشجيعاً منه رحمه الله لهذا القطاع وللاستمرار في الاستثمار فيه وإستغلال البحث العلمي والطرق الحديثة لزيادة الإنتاجية، وغيرها من المشاريع التي أتت بقصد التحفيز وإستمرار لدعم هذا القطاع الحيوي  والذي يلعب دوراً أساسياً لو أستغل بشيء جيد في تحقيق النمو الإقتصادي، فالإنسان يمكن ان يستغني عن كل شي إلا الطعام.
كما أنه أرضنا خصبة وتتوفر فيها جميع المقومات الزراعية كل ما علينا هو أحياء هذا القطاع لخلق إكتفاء محلي ذاتي كخطوة أولى بعدها ننتقل للتصدير. وعلى المستوى العالمي فقد شكلت الزراعة ثلث إجمالي الناتج المحلي العالمي في العام 2014.
فعلى سبيل المثال إذا أخذنا تجربة الصومال في هذا الجانب فقد أستطاعت بجهود شعبها وبالإمكانيات البسيطة أن تتحول من دول فقيرة كانت تتصدر عناوين الأخبار في المجاعة لتصبح صادراتها الزراعية بالملايين وهذا يرجع لعدة عوامل منها تشجيع الشركات للمزارعين بما يسمى (CSV) خلق القيم المشتركة وذلك بأن تقوم الشركات بالتعاقد مع المزارعين بحيث توفر لهم الوسائل والأدوات التي تساعدهم في عملية الإنتاج وبعد ذلك شراء منتجاتهم وبالتالي ضمان إستمرارهم في العمل والإستقالية فيما بعد. وهذا ما تقوم به الشركات الكبرى لتشجيع المواطنين على المشاركة والتقليل من المسئولية المجتمعية حتى لا ينشيء جيل إتكالي. إلى جانب تسهيل طرق تسويق المنتجات وبيعها محلياً ودولياً والأهم من ذلك الإيمان بقيمة هذا القطاع الحيوي وبأنه هو من سينقذ البلد من مجاعة توغلت فيهم لسنوات.
العمل في الزراعة ليس عيباً وآن الآوان بأن نفكر فيها كمصدر قد يفوق دخل البلد من صادرات النفط، وحتى على المستوى الشخصي لو أعتمدت كل أسرة على الزراعة في توفير احتياجاتها ولو في أرض مساحتها صغيرة لاستغنينا في اعتمادنا على الصادرات...
للمقال تتمة..

رابط المقال في موقع إذاعة الوصال: