‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثلاثي الأبعاد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثلاثي الأبعاد. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 9 فبراير 2022

ريان

 

 أصعب أنواع الكتابة عندما تكتب ومصدر كلماتك قلبك الواقع في بئر على مسافة اثنان وثلاثون متراً تحت الأرض وأدناك ثلاثون متراً، تخرج الكلمات وكأنها أنفاس طفل يصارع من أجل الحياة على مدى خمسة أيام أو أقل كأنفاس الملايين التي انحبست من أجل لحظة خيبت أملهم بعد دقائق بسيطة من الفرح، الفرح الذي انتظرته أمهات جفت أعينهن من شدة البكاء وآخرون جفت ألسنتهم من الدعاء يتحينون وقت الصلاة لتكون ختامها سجدة دعاء من أجل ريان، أجساد أنهكها تعب سهر الانتظار لكنهم صمدوا فهم يعرفون أنه لم يكن كتعب وألم ريان، خمسة أيام لم نكن نعرف إلا ريان، خمسة أيام جعلتنا نتسمر أمام شاشات البث الحي ونراقب الترند في وسائل التواصل الاجتماعي لعل كلمة تبثُ الأمل في القلوب المكسورة، الكل كان يدعي ويتوسل إلى الله بأن تعود لتلعب بجوار ذلك البئر ولتشرب من بئر آخر، لتعود لبيت جدك وتتناول الفطور وتطلب من أمك وجبتك المفضلة للغداء ولتخلد للنوم في سريرك الصغير الذي لم يشبع منك فقد تكون قد انتقلت إليه منذ سنتين فقط بعد أن غادرت المهد. لم يعرف أبيك بعد ما هو مستواك الدراسي هل ستكون مشاغباً ام ابناً مجتهداً، لم تختر أمك حقيبتك المدرسية ولم تودعك إلى باب الباص كل صباح، لم يكتفي أخوتك من اللعب معك ولكن لماذا تركتهم وذهبت للعب بمفردك بجانب البئر؟

هي تساؤلات كثيرة ولدتها غصة عميقة في قلوبنا وذكرى مؤلمة في عقولنا فمن يمكن أن يلغي من الذاكرة ذلك المشهد ووجهه معفر بالتراب والدم يسيل عليه وحبل الأكسجين معلق أمامه، وأخبار وضعيته التي امتلئت بها رسائل هواتفنا ومانشيتات الأخبار العاجلة (حرك يده إلى فمه)، (حرك رأسه) ورسالة أخيرة (استلقى على جنب) وقد تكون تلك هي الحركة الأخيرة التي لم ترد بعدها أخبار عن وضعه في تلك الحفرة.

يا ترى هل كان يسمع صوت الحفارات وهي تشق الجبال للوصول إليه، هل تحدث إليه علي الصحراوي عندما اقترب منه في الأمتار الأخيرة حفراً بيده ليطمئنه، هل كان يستمع لدعاء الآلاف الذين تجمهروا على البئر وهم يرددون الأدعية ليلاً ونهاراً، هل كان يعرف أن أنشودة محمد الوهيبي (ستعود ريان) بثت فينا الأمل بعد أن طمئن ريان بأن لا يخشى من ظلام البئر وطمئننا أن الأرض أمه وكأنها رسالة من ريان يقول انتظروني سأعود ولكن عاد إلى بارئه.

بعد كل هذا الحدث الجلل هل ستقوى أسرته على المكوث في نفس المكان وهم يمرون يومياً على آثار الحفر وعلى مدخل البئر الكئيب؟!!

لكن لماذا ريان؟ كما يتساءل البعض وأقول البعض لأن هذا السؤال لم يتبادر إلى ذهني ولو للحظة لأن العاطفة والإنسانية تسري في قلوبنا فطرة وبدون استئذان، كما هو ريان الذي لم يستأذننا للدخول إلى قلوبنا لم يجبرنا على الدعاء له والبكاء خوفاً عليه، ولكن قد يكون تساؤلهم لأنه هناك آلاف الأطفال يموتون وهم يعذبون ويقتلون ويسقطون في آبار!! ولكن لم تكن ردة الفعل كما هي مع ريان، هل الإجابة كما قالها احدى مراسلو القنوات الإخبارية: (هو ملاك اتى ليجمع الأمه بعد شتات!!) نعم ريان تمكن من أن يجمعنا لنوحد الدعاء ويصلي الجميع من كافة الأديان من أجله وثم رحل حتى لا ننساه وعزائنا فيه أنه طير من طيور الجنة عند رب رحيم غفور، أو لأنه حالة جديدة مفردة في مكان لم يكن يعرفه الكثيرون بينما الأطفال الآخرون هم في مناطق صراع ودمار أعتدنا على سماع أخبار حزينة يومياً منها فلم تعد تأثر فينا كما يقول بعض المحللون، كثرت وستكثر التحليلات ولكن يبقى ريان استثناء لا يعرف سره إلا هو.. رحمك الله أيها الطير البريء قدرك ان تغادر تاركاً نهاية قصتك مفتوحة.

نم بسلام في سريرك الأبدي أدعيتنا تحرسك










  https://www.wisal.fm/cms/2022/02/75796: رابط المقال في موقع إذاعة الوصال

 

 

 

الجمعة، 8 مايو 2020

كورونا والوافدين بين الإنسانية والواجب





ما أن بدأت أزمة كورونا منذ ما يقارب الثلاثة أشهر وما صاحبها من إجراءات وقائية للحد من إنتشار الفيروس وبما أن الموضوع يتعلق بحياة البشر وسلامتهم لأنه هم وقود الأمه وحتى لا تخسر الدول هذا الوقود والقوة التي تحركها فكانت التضحيات كثيرة من أجل سلامة الأرواح من ناحية، ومن أجل لا تتكبد الدول خسائر لا تحمد عقابها ما إذا تفشى المرض وبالتالي تكون نتائجها وخيمة على الشعب قد يحتاج سنوات للتعافي منها من ناحية أخرى. لذلك فأن التضحية كان لابد منها في الكثير من المجالات وأهمها إيقاف المدارس تلتها غلق المطارات والمعابر البرية والبحرية وتجميد الحركة التجارية بشكل عام وإغلاق مناطق وحظر التواصل الإجتماعي وغيرها الكثير.
وبما أن الإنسان هو المحور الأساسي في هذه الأزمة فكان لابد من إذابة بعض القيود وتجاوز بعض الجدران القانوينة التنظيمية فوجدناها تنحسر تدريجياً أمام هذه الجائحة لأن الإنسانية فوق كل إعتبار وهذا ليس بغريب عندما يكون الموضوع متعلق بمجال إنساني بحت ألا وهو المجال الطبي والذي يتعامل مع الإنسان متجاوز بذلك كل التساؤلات ومتخطيئاً العراقيل التي من شأنها أن تقف أمام الإجراءات الطبية، هنا تختفي كل القيود وتبقى الإنسانية سيدة الموقف.
فهذا ما حدث بالفعل عندما وصل الأمر للتعامل مع الوافدين وأقصد بذلك العمالة والذين يبلغ عددهم ما يقارب المليونيين حسب إحصائيات 2019 أي يشكلون 43% من نسبة السكان البالغ عددهم 4,6 مليون هذا إلى جانب العمالة الغير قانونية.
وبعد أن أعطيت جميع هذه الفئات الأمان وانصاعت للتعليمات لضرورة الخضوع للفحص فقد كشفت الإحصائيات الصادرة من وزارة الصحة بأن عدد المصابين من الوافدين حتى اليوم وصل إلى (1799) أي ما يعادل 62% من نسبة الإصابة الكلية البالغة (2903) كما أنهم مثلوا ما يقارب 54% من نسبة الوفيات الكلية التي وصلت إلى 13 حالة وفاة حتى الأمس.
ولكن لماذا ظهرت الكثير من الإصابات لدى الوافدين مع أن النتائج الأولى كانت تظهر الإصابات لعمانيين فقط أحتكوا بمرضى من داخل الأسرة الواحدة ولم يكن هناك نقل مجتمعي وفجأة أرتفع العدد ليطغى عدد الوافدين وبدأ الإنتشار في المناطق التي بها كثافة من االعمالة الوافدة كمطرح مثلاً؟!! الإجابة الحاضرة في الذهن والتي يعرفها الجميع هي أن بيئات سكن هذه الفئات قد تكون خالية تماماً من وسائل الصحة والسلامة وأولها التكدس في المبنى الواحد وقد يصل إلى عشرات الأفراد في غرفة واحدة يتشاركون مع باقي الغرف في نفس المبنى والتي تضم أيضاً العشرات في دورة مياه واحدة!! و لكم تتخيلوا باقي المشهد.
 ولكن هناك أسباب أخرى غير واضحة للجميع وسأركز على واحده منها والتي لفتت إنتباهي في هذه الأزمة ألا وهي أن عدد كبير من هذه الفئات ليس لديها تأمين صحي. فحتى الآن لا يوجد قانون يفرض على أصحاب الأعمال أن يأمن على العامل صحياً وبالتالي فأنهم لا يتجهون إلى المؤسسات الصحية وقت المرض لأن المبلغ الذي سيدفعه ولو كان بسيط يعتبر كبير بالنسبة له وخاصة من يتقاضى رواتب متدنية جدا في الشهر، وفي المقابل قد يكون صاحب العمل  غير قادر على دفع مبلغ التأمين للعامل. قد يقول قائل أهل الخير كثر ولن يتخلوا عنه وقت الحاجة... اتفق وعمان بها الخير وافر ولكن لماذا الإنتظار إذا كان بالإمكان تأمين الحصول على الرعاية الصحية سلفاً؟ 
في هذه الأزمة لو أفترضنا أن العامل موئمن صحياً لأتجه الكثيرون للفحص عندما أحسوا بالأعراض من البداية ولكن لم يقوموا بذلك إلا عندما تم الإعلان بأن الفحص مجاني للجميع عندها بدأت الأعداد ترتفع حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.
في الهند تجربة رائعه يمكن أن يستفاد منها في هذا الجانب وهي بسيطة ولكن آثرها غير حياة الملايين، فقد قام جراح القلب الهندي ديفي براساد شيتي صاحب سلسلة مستشفيات نارايانا في الهند (23 مستشفى) والمتوزعة في 14 مدينة هندية بتطبيق فكرة بسيطة جداً أنقذت الملايين من مرضى القلب. وذلك بعد أن لاحظ عدم قدرة الكثيرين على تحمل تكاليف عمليات القلب والتي تعتبر باهضة بالنسبة لدخلهم المنخفض، حيث أن 2 مليون ونصف شخص هم بحاجة لإجراء عمليات القلب سنوياً في الهند إلا أن 80-90 ألف فقط من كانوا قادرين لإجراء تلك العمليات ، فقام الجراح بالتعاون مع إحدى شركات التأمين والحكومة بإقناع المزارعين في أحدى المناطق النائية بالمساهمة بخمس ربيات أي ما يعادل 25 بيسة وبذلك تمكن من إجراء 60 ألف عملية قلب للمزاعرين في تلك المنطقة فقط وذلك بفضل الخمس ربيات ومن خلال تطبيق هذه الفكرة أيضاً تمكن من توفير خدمات صحية ل40% من المرضى الغير مقتدرين إضافة إلى المبادرات الأخرى لصالح المرضى. ويعتبر المستشفى اليوم أحدى النماذج الصحية العالمية كما أنه أحد أكبر شبكات التطبيب عن بُعد حول العالم.
لو طبقت هذه الفكرة مع الوافدين (العمالة) بإنشاء صندوق تأمين صحي بحيث يضمن لهم رعاية صحية جيدة  حتى في الحالات الصعبة دون الحاجة للعودة لبلدهم كما يحدث في الكثير من الحالات وبالتالي يستفاد من نفقات العلاج لتكون رافداً للقطاع الصحي بالسلطنة ، وسيساهم بشكل كبير في تأمين العلاج الضروري خاصة في الظروف الصعبه لهم وفي حالات الكوارث والجوائح التي تمر بها الدول.
وذلك إذا افترضنا أن يساهم كل شخص من 2 مليون من العمالة الوافدة بريال بذلك سيرفد الصنوق بما يقارب 24 مليون ريال سنوياً بهذه الفكرة يمكن توفير بيئة صحية ملائمة للعمل والاستفادة منهم دون أي أضرار على أرواحهم.
وأخيراً ..."خمسة معزولين عن بعضهم ضعفاء ولكن مجتمعين أقوياء"... جراح القلب ديفي براساد شيتي



رابط المقال المنشور في حساب إذاعة الوصال في موقع تويتر:






           

الثلاثاء، 11 يوليو 2017

لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ

في زحمة العيد الجميلة وبينما الكل منشغل بتأدية الواجبات الاجتماعية وإعداد وجبات الطعام المشتركة كان هناك مجموعة من البشر لا يتجاوز عمر أكبرهم ثلاثة عشر عاماً وأصغرهم ثلاث سنوات يحملون آخر طرازات الهواتف المحمولة، تجمعوا في زاوية من المجلس منهم من يلتقط الصور لوضعها في وسائل التواصل الاجتماعي وآخر يلعب لعبته المفضلة وآخر يحاور صديقه بالوتس آب، بينما الأهل ينعمون بالراحة فهم وفروا لأبنائهم ما يسليهم ويلهيهم عوضا عن تفادي الإزعاج المتكرر الذي قد يصدر من أحدهم .
لا أعتقد أن هناك من لا يعلم بأن هذه الأجهزة التي سلمت لتلك الأيادي البريئة قد تكون بداية لطريق الهلاك والدخول في متاهات ليس من السهل الخروج منها، ولكن هناك من يبرر بأن الأجهزة الإلكترونية أصبحت من ضروريات الحياة وحجبها عن الأطفال ليس لصالحهم، الكل ينطلق من أسباب يجدها صحيحة من وجهة نظره أو يحاول تبريرها وإلا ماذا يفعل جهاز في يد طفل لا يتجاوز عمره الثلاث سنوات؟! إلا إهمال صريح (اشتري راحتي على حساب خراب أبنائي) ومن ثم يتعجبون من الجرائم الإلكترونية التي بدأت تزداد في الآونة الأخيرة على النطاق المحلي والتي كان ضحيتها من فئة المراهقين والأطفال حتى وصل بعضها إلى جرائم قتل واحتيال مالي بمبالغ كبيرة وغيرها من الجرائم التي كنا نشاهدها في الأخبار العالمية لكنها اليوم تحدث في مجتمعنا .
العالم الإلكتروني كالبحر ليس له أمان وفيه من يهوى الصيد وهناك الفريسة السهل اصطيادها، الفريسة عادة ما يهيئها الأهل للصيد وذلك بتوفير الأجهزة الإلكترونية لهم دون رقابة فيبحر الأبناء في هذا البحر الواسع وقد يضلون الطريق ويقع الفأس في الرأس لأن هناك من ترك أدوات صيده جاهزة لصيد مثل هذه الفرائس، كيف لا؟! وإذا كان أطفال ما زالوا يلقمون الطعام وأيديهم لا تفارق هذه الأجهزة…
أما الصياد فهو يستغل الثغرات التي توصله لفريسته كما أنه يلجأ لاستفزازها بعد أن يحصل على المعلومات التي يريدها وعادةً لا يخلو من الدهاء الإلكتروني فيصل لمبتغاه من دون أن تكشف هويته .
لمن يعتقد بأن التقنية ضرورة فهو ينطلق من منطلق بأن الغالبية العظمى لديهم أجهزة إلكترونية وبالتالي حرمان الطفل مما هو متوفر مع أصدقائه أو زملائه قد يولد لديه شعورا بالنقص وبأنه اختلاف غير مبرر وبالتالي يمكن تفادي ذلك بتوفيرها له، إضافة إلى أنها وسيلة تعليمية ومكتبة متنقلة وحرمانه منها يعني حرمانه من مصدر مهم من مصادر المعلومات، نعم هي كذلك ولكن لا يعني توفيرها من دون رقابة وفي كل الأوقات ودون مراعاة للسن واحتياجاته ، حتى وصل الأمر للبعض لتوفير شاشات للألعاب الإلكترونية في غرف نومهم فتجدهم يقضون ساعات طويلة في اللعب مع أشخاص مجهولين لا يعرفون هويتهم ولا هدفهم، كل ذلك من أجل أن ينعم الآباء والأمهات بجو مفعم بالهدوء وهم يشاهدون قنواتهم المفضلة في أجهزة التلفاز التي لا يزاحمهم عليها أبناؤهم والأهم من ذلك فهي وسيلة سريعة لتهدئة الطفل ما إذا بدأ بالبكاء !! يقول الله تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93). سورة الحجر.
أما الجانب الآخر والمتصيد للثغرات ومهما كانت نواياه الخبيثة فلن يكون قادراً على ارتكاب جريمته إذا كانت الأسوار الأسرية متينة وقادرة على صد أي هجمة قد تمس فلذات كبدها ، فالشر موجود ولا يمكن إنهاؤه لكن يمكن التصدي له لوقف زحفه وخاصة إذا كان المتضرر أغلى ما نملك.
إن هيئة تنظيم الاتصالات وبالتعاون مع عدد من الأجهزة الأمنية والمؤسسات المعنية بدأت بتنظيم حملات توعوية لتنبيه ولي الأمر بالدرجة الأولى ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بشكل عام حول الجرائم الإلكترونية وكيف يمكن تفاديها والتعامل معها، ولكن يبقى الدور الأكبر على المؤسسة الأساسية وهي الأسرة وأن تعي أن الأجهزة الإلكترونية توفر جانبا ترفيهيا يمكن الاستغناء عنه بوسائل أكثر أمانا وإذا كانت من ضرورة لإعطاء الابن هاتفا محمولا يجب أن يكون أيضاً بحدود ، فلا تحولوا التقنية إلى سلاح تدميري داخل بيوتكم.
رابط المقال في جريدة الوطن : http://alwatan.com/details/204144