الاثنين، 27 نوفمبر 2017

لو لم أكن ملكاً..




على الرغم من أنها اسمى المهن وأفضلها كيف لا ؟ وهي مهنة قيادة الأجيال وسلاح القضاء على الأمية والجهل منها تتأسس وتصقل العقول وتخرج المهن الأخرى بسببها أنخفضت نسبة الأمية لأكثر من 85% حتى نهاية 2016م  لكنها قصفت حتى أصبحت ضعيفة وباتت لمن يبحث عن عمل يآوية أو لرضاء رغبة ولي الأمر ، والضحية أجيال يتم تحضيرها للمستقبل ولكم أن تتخيلوا النتيجة التي أصبح بعض معالمها واضحة اليوم ، وفي كل الأحوال الاستثناءات موجودة ولكن الوضع العام لهذه المهنة أصبح منفر وهذه قراءة للوضع تمت لفترة طويلة وكانت هذه خلاصتها ، والوضع شمل كثير من الدول العربية وليس محلياً فقط وهنا يمكن القول أن المجتمع والمعلم نفسه والمؤسسات المعنية هي من أوصلت بهذه المهنة لهذا الوضع .
البداية من المجتمع ففي وقت من الأوقات تحولت من مهنة إلى مجرد وظيفة تناسب الأنثى كون المدارس في ذلك الوقت غير مختلطة سواء كموظفين أو طلبة كما أنها كانت وظيفة مضمونة فما أن تدخل البنت كلية التربية تخرج لتتوظف في أحدى المدارس مباشرةً وبالتالي لم يتردد الكثيرين لإرسال بناتهم لدارسة التربية كما أن الإجازة أيضاً من مغريات الوظيفة وبالتالي من له رغبة في هذه الوظيفة أم لا فكان خياره الأمثل بغض النظر عن الميول ، هذا ما جعلها تأخذ منحنى آخر آثرت على أجيال المعلمين اللاحقة .
من ناحية أولياء الأمور أو الأسرة فهي جعلت من المعلم مجرد وسيلة للحصول على المعلومة وبالتالي فأن عمله أقتصر على هذا الدور ونسف الجانب الآخر وهو التربية مع أنهما شيئين مقترنين ببعضهما البعض فهو المربي أولاً والمعلم ، ففي عصر التقنية من السهل الحصول على المعلومة ولكن ليس من السهل الحصول عليها مقرونة بالتربية ، لكن ما نشيء عليه جيل اليوم بأن المعلم موظف يؤدي عمله الذي يتقاضى عليه راتب نهاية كل شهر وليس من حقه أن يمارس أي دور سلطوي أو تربوي وبالتالي فقد هيبته التي كانت ينحني لها كل من تعلم حرفاً على يده ، ولبعض المعلمين دور في ذلك حتى لم يعد يصلح ليكون القدوة التي يحتذي بها الطلبة سواء من ناحية المنظر العام أو حتى المعلومات التي يمتلكها ولم يحدثها لسنوات فالطالب قد يكون لديه معلومات أحدث من المعلم الذي أكتفى بما درسه في الجامعة فقط ولم يكلف نفسه تحديث تلك المعلومات وهناك من تخرج بمستوى لا يؤهله للوقوف أمام الطلبة ولكن هي الأقدار التي جعلت منه مربي الأجيال ، أصبح البعض ينهمك في استخدام هاتفه اثناء الحصة الدراسية متناسياً أنه منع الطلبة من استخدامه لأنه ملهاه عن التركيز ، بيئة العمل تحولت في بعض المدارس إلى أماكن لتبادل الأخبار والأكل والبيع ، فماذا يتوقع من الطالب وهو يشاهد تلك الأجواء في بيئة مخصصة لتلقي العلم والمعرفة .
تكالبت الظروف على قائد الأجيال وغاب التحفيز من الجهات المعنية وقل الإنتاج وزادت الإتكالية فمن وجد مجالاً آخر تشبث به ومن لم يجد أخذ يعد السنوات التي ستوصله للتقاعد ، وهناك من يحب المهنة فأكمل فيها بحب بغض النظر عن البيئة التي تكونت حوليه فهذا شخص يؤمن بأن القيادة هو من يصنعها لنفسها وبشخصيتة سيكون قادراً على قيادة جيل بكل سلام للمستقبل غاضاً النظر عن كل ما قد يؤثر عليه.
صناعة جيل جديد من المعلمين يؤمن بأهمية هذه المهنة ليس بتلك الصعوبة ولكن دور المجتمع والأسرة بشكل خاص والجهات الحكومية المعنية عليها دور كبير في ذلك بتغير ثقافة المعلم الموظف وإعادتها إلى سابق عهدها حيث المدرس المربي والطالب الابن .
(لو لم أكن ملكاً لوددت لو كنت معلماً) مقوله للملك فيصل بن عبدالعزيز رحمة الله عليه فكلاهما (الملك والتعليم) قيادة لجيل والمسئوليات تتقارب ، لذلك كما توجد لرؤساء الدول متاحف تعرض سيرتهم هناك متاحف للمعلمين أيضاً كما هو متحف هونج كونج التعليمي الذي يعرض سيرة أفضل المعلمين على مر التاريخ وحياتهم داخل المدارس ، كما خصصت حكومت دبي جائزة سنوية عالمية لأفضل معلم ، وكذلك الأمم المتحدة تحتفل بيوم المعلم في 5 أكتوبر للأحتفال بالمعلم .
يقول أحمد شوقي :
أعَلِمتَ أشرفَ او أجل من الذي
يبني ويُنشئُ أنفساً وعقولا
سُبحانكَ اللهم خيرَ معلمٍ
 علّمتِ بالقلمِ القرونَ الأولى

المقال في مجلة تكوين


الثلاثاء، 1 أغسطس 2017

قمر الدين

ترك بلاده وهو في سن المراهقة لديه من التعليم ما يمكنه من القراءة والكتابة فقط ، هدفه جمع المال لتحظى عائلته بحياة كريمة تتوفر لها متطلبات الحياة الأساسية لم يكن يمتلك من المهارات التي تمكنه من أداء أي عمل إلا كوب شاي الكرك الذي تعلمه من أمه التي كانت تعده له كل صباح هو وأخيه الأكبر الذي غادر قبله لإحدى البلدان العربية، إلا أن المال الذي كان يرسله اخوه لم يغط المصاريف التي تحتاجها الأم عندما دخلت في وعكة صحية فأجبرته الظروف إلى تركها بعد أن عثر على عمل يمكن أن يساعده أحد معارفه في تلك البلد لتعلم ولو مهارة بسيطة تجعله قادراً على مواصلة العمل وبالإصرار أصبح معلماً لمهنة الطبخ التي تعلمها بل أنه أصبح غير قادر على ترك عمان التي تربى فيها ونال من خيرها، فخلال فترة تواجده ارتبط بشريكة حياته وانجب منها البنات اللواتي أسماهن بمسميات بنات العائلة التي ما زال يعمل معها منذ 1985م فأصبح فرداً من العائلة يعتني بالأطفال ويهتم بشؤون المنزل ويعول عليه الكثير وعلى الرغم من كبر سنه إلا أنه لا يود فراق عائلته العمانية التي عاش معها أكثر من عائلته الهندية فهو يذهب فقط لحضور حفلات أعراس بناته اللواتي لم يمكث معهن إلا شهرين كل سنتين أو ثلاثة ويتلقين اتصالا منه مرة أو مرتين في الشهر فهو لا يجيد استخدام التقنية الحديثة التي يمكن أن تبقيه على اتصال دائم معهن بينما إذا ذهب في إجازة لا يمر عليه أسبوع دون أن يتواصل مع عائلته العمانية التي لا ينساها من الهدايا عندما يعود من إجازته، قمر الدين لم يطلب في يوم من الأيام زيادة في راتبه إلا إذا تفضلت عليه عائلته العمانية بذلك، يحزن لحزنها ويفرح لفرحها فأصبح غير قادر على فراقها بل أنه لا يستطيع أن يتأقلم مع عائلته الهندية فهو تربى على ثقافة العمانيين وعادتهم ولهجتهم العربية، يعرف من الأماكن محلياً ما لا يعرف في بلده، تكونت لديه من الخبرة والحكمة ما جعلت أبناء بلده يأتونه للاستشارة ، فرض إحترامه وأحترمه الجميع.
قصة قمر الدين ليست غريبة على كثير من العمانيين الذين عرفوا قصصا مشابهة من الوفاء والولاء من اليد العاملة الوافدة، وحسن المعاملة سبب أساسي لذلك إضافة إلى الحاجة التي تجعل مثل هؤلاء يتعايشون مع أي ظرف يوضعون فيه حتى يصبح ذلك الوضع جزءا من حياتهم الذي لا يمكن أن ينفصلوا عنه ، ذكرت هذه القصة بعدما أصبح الكثير من المواضيع والقضايا بشقها السلبي ترمى على الوافد وكما يقال السيئة تعم فكان من الواجب أن نذكر بأن هناك نماذج كان لها الأثر الطيب في حياة الكثير منا باختلاف المهن التي امتهنوها (طباخ ، مزارع ، تاجر ، مربي ، سائق …) وغيرها الكثير فهم لهم دور لا يمكن أن ننكره وما زال الاعتماد عليهم في بعض المهن وأن قل وجودهم في بعضها.
وهناك بعض الحالات عانت قسوة العيش ولكنها صبرت مقابل مبلغ بسيط قد لا يكفي لشراء غرض واحد في بعض المحلات ويتم التعامل معهم كالآلة التي يجب أن لا تتوقف عن العمل من الصباح الباكر حتى يأتي موعد النوم في وقت متأخر وهكذا دون مراعاة لمكان السكن الذي قد لا تتوفر فيه ضروريات الحياة ولكن مع ذلك هناك من يقاوم ويستمر من أجل الحياة وأن كانت على حساب الإنسانية.
حياتنا تحتاج إلى الرفق واللين ابتداءً بأنفسنا ومن حولنا وخاصة من ضحى بالكثير فالدهر يومان يوماً نعيشه وآخر تحت التراب يقول الإمام الشافعي :
الدهر يومان ذا أمن وذا خطر والعيش عيشان ذا صفو وذا كدر
أما ترى البحر تعلو فوقه جيف وتستقر بأقصى قاعه الدرر
وفي السماء نجوم لا عداد لها وليس يكسف إلا الشمس والقمر

المقال المنشور في جريدة الوطن
رابط المقال : http://alwatan.com/details/208128


الأربعاء، 26 يوليو 2017

أليس في البلد غير هذا …




بينما كنت أتصفح أحد مواقع الصحف العربية عبر الإنترنت لفت انتباهي موضوع عن “تكرار الأشخاص” ولأني أتفق مع عنوان الموضوع توقفت لقراءته كان يتحدث عن الأشخاص الذي يظهرون في كل وسائل الإعلام منذ سنوات فتجد نفس الشخص يكتب مقالا في الجريدة ويحلل في التلفزيون ويستضاف في الإذاعة وهكذا ، وكأن كاتب الموضوع قرأ أفكاري فدائماً ما أتسأل من ظهور شخص معين في أكثر وسيلة إعلامية وكأن ليس هناك من يمكن أن يكتب أو يستضاف غيره ، فمنذ سنوات هو الاسم الأبرز ولكن من دون أي معلومة جديدة يمكن أن يقدمها للجمهور سواء أنه يملأ مساحات بعناوين مختلفة أو تجديد في المظهر بل إن بعضهم لا يكلف نفسه التجديد مخصصا رف في خزانته للبس اللقاءات .

الموضوع يحتمل تفسيرين مختلفين أو أكثر ولكن هذا ما وجدته بعدما كنت أتابع بعض المؤسسات الإعلامية وسبب لجوئها لشخص بعينه ، العتب الأول على الوسيلة التي لا يخلو فعلها من الكسل فهناك أشخاص جاهزين للظهور في أي وقت ومن فصيلة (محبي الظهور) وإن كان لا ناقة لهم ولا جمل بالموضوع وحتى لا تكلف المؤسسة نفسها أو بالأحرى ممن يتولون أمور التنسيق مع الضيوف أو الكُتّاب عناء البحث عن أشخاص جدد يستحقون الظهور يلجأون إلى نفس الأشخاص وكما يقال محلياً(مبرد رأسه) لا يتعب نفسه في البحث عن أسماء جديدة تطرح أفكارا مختلفة وتجدد في الرسالة ونجد النتيجة نفسها !!، إضافة إلى أن هؤلاء الأشخاص ممكن توجيههم لأي اتجاه بمعنى هم يغردون حسب سياسة المؤسسة إذن هم لا يملكون قناعات يبنون عليها أفكارهم وأطروحاتهم وتكون عقولهم مفتوحة لتقبل أي فكر لترجمته على ألسنتهم، في فترة من الفترات مثل هؤلاء الأشخاص يتقبلهم المجتمع ويتأثر بهم ولكن مع الانفتاح وتعدد وسائل النشر والتلقي ، أصبحوا مجرد أسماء لملء المساحات لا يمكن أن يجذبوا الجيل الحالي ولكن أكيد هناك من يصفق لهم وإلا ما كانوا ليستمروا بهذه الثقة منذ سنوات كما هو الحال مع الوسائل الإعلامية التي كان لها دور في ذلك.
أما الشخص المحب للظهور فقد حرق نفسه بما فيه الكفاية لأن الحديث في نفس المواضيع وفي نفس المناسبة وفي مختلف المؤسسات الإعلامية كيف يتوقع أن يتقبله المجتمع الذي أصبح متيقظا ومترصدا لأي معلومة قد تتكرر أو يعاد نشرها ويصبح لدى البعض في قائمة المنفردين لمتابعة تلك المؤسسة، وهنا لا يمكن نكران بعض الأسماء التي تنتقي متى تظهر وأين ولا تكرر نفسها في مناسبات بعينها وما إذا ظهرت فيكون لديها مخزون جديد من المعلومات تجبر المستمع أو القاريء لمتابعتها فهي تفرض نفسها إيجابياً بالتالي يحترمها الجمهور ويتابعها .
إذن السؤال الذي يتبادر للذهن لماذا لا يتم إعطاء الفرصة لجيل الشباب بحيث يكون هناك صف جديد مستعد للتعامل مع المؤسسسات الإعلامية بكل ثقة، فهناك جيل من الشباب يملك من الثقافة والمعلومة والحضور ما يؤهله للظهور على شاشات التلفاز وفي الإذاعة أو الصحف وهنا لا أقصد المواضيع التي عادةً يستضاف فيها الشباب وإنما كمحللين في مختلف المجالات أو نقاد أو متحدثين لجهات حكومية ولكن للأسف ما زال هناك من لا يثق بأن هذا الجيل قادر على أن يأخذ زمام الأمور ويوجهها في الاتجاه الصحيح للتطوير بما يتماشى وخدمة الوطن والمجتمع .
والشيء بالشيء يذكر في موضوع التكرار وفرص الشباب ولكن على صعيد الشركات فهناك بعض المؤسسات تلزم نفسها مع بعض الشركات من باب (تعودنا عليهم) والتي إما تكون انتهجت نفس خط الإنتاج لا تطور فيه ولا تحيد عنه فتتكرر هذه الشركات في نفس المناسبات والفعاليات وكأن ليس في البلد غيرها ولا عجب أن يكون النتاج مملا لأنه مكرر أمام الجمهور لسنوات وإن اختلف المحتوى لكن في نفس القالب، بينما هناك مئات الشركات الشبابية والتي قد يكون عملها أكثر تميز من تلك الشركة ولكن تبقى قضية بعض الأشخاص الذي يقفون عائق أمام التطوير أو من جانب لا داعي للبحث عن جديد.
يمكن إيجاز كلا الموضوعين في جملة (أليس في هذا البلد إلا هذا الولد).

الثلاثاء، 11 يوليو 2017

لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ

في زحمة العيد الجميلة وبينما الكل منشغل بتأدية الواجبات الاجتماعية وإعداد وجبات الطعام المشتركة كان هناك مجموعة من البشر لا يتجاوز عمر أكبرهم ثلاثة عشر عاماً وأصغرهم ثلاث سنوات يحملون آخر طرازات الهواتف المحمولة، تجمعوا في زاوية من المجلس منهم من يلتقط الصور لوضعها في وسائل التواصل الاجتماعي وآخر يلعب لعبته المفضلة وآخر يحاور صديقه بالوتس آب، بينما الأهل ينعمون بالراحة فهم وفروا لأبنائهم ما يسليهم ويلهيهم عوضا عن تفادي الإزعاج المتكرر الذي قد يصدر من أحدهم .
لا أعتقد أن هناك من لا يعلم بأن هذه الأجهزة التي سلمت لتلك الأيادي البريئة قد تكون بداية لطريق الهلاك والدخول في متاهات ليس من السهل الخروج منها، ولكن هناك من يبرر بأن الأجهزة الإلكترونية أصبحت من ضروريات الحياة وحجبها عن الأطفال ليس لصالحهم، الكل ينطلق من أسباب يجدها صحيحة من وجهة نظره أو يحاول تبريرها وإلا ماذا يفعل جهاز في يد طفل لا يتجاوز عمره الثلاث سنوات؟! إلا إهمال صريح (اشتري راحتي على حساب خراب أبنائي) ومن ثم يتعجبون من الجرائم الإلكترونية التي بدأت تزداد في الآونة الأخيرة على النطاق المحلي والتي كان ضحيتها من فئة المراهقين والأطفال حتى وصل بعضها إلى جرائم قتل واحتيال مالي بمبالغ كبيرة وغيرها من الجرائم التي كنا نشاهدها في الأخبار العالمية لكنها اليوم تحدث في مجتمعنا .
العالم الإلكتروني كالبحر ليس له أمان وفيه من يهوى الصيد وهناك الفريسة السهل اصطيادها، الفريسة عادة ما يهيئها الأهل للصيد وذلك بتوفير الأجهزة الإلكترونية لهم دون رقابة فيبحر الأبناء في هذا البحر الواسع وقد يضلون الطريق ويقع الفأس في الرأس لأن هناك من ترك أدوات صيده جاهزة لصيد مثل هذه الفرائس، كيف لا؟! وإذا كان أطفال ما زالوا يلقمون الطعام وأيديهم لا تفارق هذه الأجهزة…
أما الصياد فهو يستغل الثغرات التي توصله لفريسته كما أنه يلجأ لاستفزازها بعد أن يحصل على المعلومات التي يريدها وعادةً لا يخلو من الدهاء الإلكتروني فيصل لمبتغاه من دون أن تكشف هويته .
لمن يعتقد بأن التقنية ضرورة فهو ينطلق من منطلق بأن الغالبية العظمى لديهم أجهزة إلكترونية وبالتالي حرمان الطفل مما هو متوفر مع أصدقائه أو زملائه قد يولد لديه شعورا بالنقص وبأنه اختلاف غير مبرر وبالتالي يمكن تفادي ذلك بتوفيرها له، إضافة إلى أنها وسيلة تعليمية ومكتبة متنقلة وحرمانه منها يعني حرمانه من مصدر مهم من مصادر المعلومات، نعم هي كذلك ولكن لا يعني توفيرها من دون رقابة وفي كل الأوقات ودون مراعاة للسن واحتياجاته ، حتى وصل الأمر للبعض لتوفير شاشات للألعاب الإلكترونية في غرف نومهم فتجدهم يقضون ساعات طويلة في اللعب مع أشخاص مجهولين لا يعرفون هويتهم ولا هدفهم، كل ذلك من أجل أن ينعم الآباء والأمهات بجو مفعم بالهدوء وهم يشاهدون قنواتهم المفضلة في أجهزة التلفاز التي لا يزاحمهم عليها أبناؤهم والأهم من ذلك فهي وسيلة سريعة لتهدئة الطفل ما إذا بدأ بالبكاء !! يقول الله تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93). سورة الحجر.
أما الجانب الآخر والمتصيد للثغرات ومهما كانت نواياه الخبيثة فلن يكون قادراً على ارتكاب جريمته إذا كانت الأسوار الأسرية متينة وقادرة على صد أي هجمة قد تمس فلذات كبدها ، فالشر موجود ولا يمكن إنهاؤه لكن يمكن التصدي له لوقف زحفه وخاصة إذا كان المتضرر أغلى ما نملك.
إن هيئة تنظيم الاتصالات وبالتعاون مع عدد من الأجهزة الأمنية والمؤسسات المعنية بدأت بتنظيم حملات توعوية لتنبيه ولي الأمر بالدرجة الأولى ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بشكل عام حول الجرائم الإلكترونية وكيف يمكن تفاديها والتعامل معها، ولكن يبقى الدور الأكبر على المؤسسة الأساسية وهي الأسرة وأن تعي أن الأجهزة الإلكترونية توفر جانبا ترفيهيا يمكن الاستغناء عنه بوسائل أكثر أمانا وإذا كانت من ضرورة لإعطاء الابن هاتفا محمولا يجب أن يكون أيضاً بحدود ، فلا تحولوا التقنية إلى سلاح تدميري داخل بيوتكم.
رابط المقال في جريدة الوطن : http://alwatan.com/details/204144 


الاثنين، 3 يوليو 2017

حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ

هناك من يعتقد أو أوهم نفسه بأن الدين مقتصر على أداء الشعائر الدينية فقط متناسياً بأن هناك أشياء كثيرة أمر بها الإسلام ونهى عنها وبترك الأولى وفعل الثانية قد يدخل في موضوع الحلال والحرام، ولكن عندما يوضع العقل في إطار ضيق يصعب عليه التفكير خارج ذلك الإطار لذلك يكون تفسيرهم للدين هو مظهر معين وأداء الفرائض فقط أما عدا ذلك فهو مسموح أو غير مرئي بالنسبة للبعض. ومن ضمن القائمة المحذوفة أو غير المرئية لدى فئة من الناس ثقافة العمل في رمضان والتي استبعدت عند الكثيرين رغم التزامهم الديني، فعلى سبيل المثال ومن واقع يشاهده الجميع في رمضان من أصل خمس ساعات يداوم ساعتين أو قد يتغيب عن عمله لأنه قضى ليلته في قيام الليل أو قراءة القرآن وبالتالي هو غير مستعد لاستقبال أي عمل يناط إليه فيأتي متثاقلاً لتسجيل حضور فقط، ونسى أن العمل أيضاً عبادة وبأن التبسم صدقة وأن الحركة بركة … (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) سورة الجمعة. وأما ردة فعل المسئول على هكذا نماذج تعتبر منافية لحرمات الشهر وغير مقبولة لأنها ثقافة على الجميع التعايش معها !!
وفي الجانب الآخر هناك من يستغل ليالي رمضان بكل ما تحمل من أجواء رمضانية ممتعة فيقضي وقته في المقاهي أو السهرات التي تستمر حتى آذان الفجر أو متابعة التلفاز أو غيرها من العادات الرمضانية المعروفة ولكن الاستمتاع بهذه الأجواء الجميلة لا يعني أن الوقت المخصص للعمل يتم قضاؤه في النوم أو الحضور في وقت متأخر والانصراف باكراً ، لأن هناك من ينتظر تخليص معاملته أو من قطع مسافة ليقابلك ، فوضع رمضان كحجر عثرة هو صفة المتخاذلين والمتقاعسين ، بل يتعمد كثيرو الأعذار على عدم الخروج في إجازة بحجة قصر فترة الدوام وبأن الغالبية العظمى يعيشون نفس الروتين خلال الشهر وبأن رمضان شهر التسامح لذلك على المسئول أن يتغاضى عن زلات الموظفين لأنه لا يأكل ولا يشرب خلال النهار وبالتالي ليس لديه طاقة للعمل وما أكثر الأعذار التي تطرأ طول العام وتتضاعف في الشهر الفضيل كما هي عدد المشاهدات في اليوتيوب، فبالإضافة إلى العدد الذي اعتاد على قضاء ساعات العمل لمشاهدة المسلسلات والبرامج خلال السنة يزيد العدد خلال رمضان لأن الأعمال الدرامية كثيرة والوقت غير كافٍ لمشاهدتها في المنزل وبالتالي وقت الدوام هو الأنسب وكذلك البحث عن وصفات الفطور لها نصيب من الوقت .
وبعيداً عن الدين وحتى لا أتهم بلعب دور الوصاية إلا أن ثقافة العمل بمنظورها السلبي في رمضان أصبحت حالة عامة فما أن يهل الشهر الفضيل تقل ساعات العمل ويقل العمل المنجز وكأنه شهر غير محسوب ضمن شهور السنة لذا من الأفضل أن يتم التقييم في نهاية السنة على أحد عشر شهراً حتى يتصف التقييم بالعدل قدر الإمكان .
رمضان من أفضل الشهور في تنمية ورفع مستوى الإنتاج وذلك لأنه يخلو من وقت مستقطع لتناول الوجبات أو التي قد تسبب خمولا كما أن فترة الدوام قصيرة ويمكن استغلالها استغلالاً أمثل ، كما انه من انسب الفترات لوضع الخطط فهي فترة تتمتع بصفاء الذهن وقلة الأحاديث الجانبية ، لذلك فإن ثقافة العمل السائدة خلال الشهر الفضيل يجب أن تغيرها ولا اقول هنا بضرورة تنظيم حملات توعية أو مشابهة بل هي ثقافة يمكن أن تتغير من الشخص نفسه وباقتناع تام فكثير من العادات والتصرفات جزء كبير نفسياً ما إذا تم اقتلاعها يتم العلاج (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) الرعد (11).

رباط المقال في جريدة الوطن: http://alwatan.com/details/202787



الثلاثاء، 23 مايو 2017

يا فرحة ما تمت

مشاهد اعتدنا مشاهدتها بعد كل اختبار نهائي والشارع هو أول الشهود وأول المتضررين وعلى الرغم من أن الرسائل التحذيرية بدأت هذا الفصل في وقت مبكر حتى لا يتكرر المشهد إلا أن هناك طلبة يعبرون عن فرحتهم بهكذا تصرفات فيتخلصون من عبء عام دراسي بتمزيق الكتب والأوراق ورميها على الطريق وبذلك يعلنون حريتهم من الصف الدراسي ووصاية المدرسين التي تبدأ تدريجياً من أول اختبار وصولاً إلى آخر اختبار. بالنسبة للطلبة قد لا يكون هذا الفعل أكثر من كونه ردة فعل نفسية تلقائية بينما من ينظر للفعل (غير الطلبة) يعتبره خاليا من الأخلاق ولابد من المحاسبة للردع، أما الطرف الثالث والذي عليه تحمل نتائج تلك التصرفات وهو عامل النظافة الذي سيجبر على تنظيف المكان في هذه الأجواء الحارة والشمس الحارقة ينحني لالتقاط الأوراق المليئة بالمعلومات والأسئلة ولو كان يعرف قيمتها ويفهم لغتها لما تركها في كيس القمامة ولكن الجهل ذليل .
فعلياً لم يفكر من اقترفوا هذا الفعل المشين بمن سيأتي لالتقاط تلك الأوراق ولم يتعد تفكيرهم حدود الاستمتاع باللحظة وإلا ما كان من يكتب ويتداول الرسائل التوعوية عن هكذا تصرفات قد أقدم على هذا الفعل عندما كان في مرحلتهم السنية، بالطبع لا أحاول ان أبرر هذا التصرف ولكن فعلياً هناك تصرفات غير محسوبة نتائجها وقد يأتي الندم عليها في وقت متأخر، من جانب الطرف الثالث والذي سيقع عليه العبء وأعني بذلك عامل النظافة أو غيره من المحتاجين أصبحوا يستغلون تلك التصرفات لصالحهم حيث إن بعض شركات إعادة تدوير الورق تكثف نشاطها نهاية كل عام دراسي فيقوم بعض العمال بتسليم تلك الأوراق لتلك الشركات مقابل بعض المبالغ البسيطة أو حسب سياسة الشركة، في نهاية الأمر هناك مستفيد سواء من إعادة استغلال الورق أو من قام بتجميعها وتجميل المكان الذي رميت فيه، ومن الطبيعي أن تفكر عقولنا في مصيرهم بعد قضاء ساعات في تجميع الورق تحت أشعة الشمس القاسية وهذه طبيعة الروح البشرية المليئة بالرحمة، ويبقى للأسرة والمدرسة الدور التوجيهي قبل فترة الاختبارات أما العقاب فهو مستبعد من جهة المدرسة حفاظاً على خلق أجواء مستقرة هذه الفترة وقد يكون الدور الأكبر يقع على الأسرة التي يجب أن تختار الطريق الأسلم لإيقاف أبنائها عن هكذا تصرفات في هذه الفترة الحرجة.
****
منظر آخر لا يقل بشاعة عن المنظر السابق وهو مرتبط بالفرح بطريقة أو بأخرى . بجانب برميل القمامة توقفت الشاحنة أو (الداينا) كما تسمى محلياً وهي نوع من سيارات الدفع الرباعي تستخدم لتحميل الأغراض الكبيرة والثقيلة الحجم، امتلأت بالصناديق الكبيرة (الكراتين) والأكياس البلاستيكية الشفافة التي يبدو أنها استخدمت لتغطية أثاث جديد وبعد أن تركت الشاحنة كل ما هو جديد في المكان الذي أتت منه، اختار العمال أن يوجدوا عملاً إضافياً لعمال النظافة بدلاً من رمي القمامة في البرميل الذي توقفوا بجانبه رموا قمامتهم بجانب البرميل وكأن أيديهم ثقلت عن الرمي داخل البرميل الذي كان يقع بجانب انحناءة شارع فسدوا بذلك جزءا من الشارع فأصبح المجال مفتوحا لسيارة واحدة للمرور، أما السيارات الأخرى فعليها الانتظار، فازداد الزحام في مكان يزدحم كل صباح ولسان حال المارة يقول (الوضع لا يزداد …) ، وإلى جانب هذا التصرف غير المبرر كان المنظر أشبه بمردم نفايات داخل الشارع وسط منطقة سكنية ، يتكرر هذا الفعل بشكل يومي تقريباً ولا رادع لهم مع أن الرادع الأول هم الأشخاص أنفسهم لكن الطبع يغلب التطبع. دائماً ما يتم إلقاء اللوم على البلدية كونها الجهة المسئولة عن نظافة الأماكن العامة والتجميل ولكن قبل ذلك لماذا لا تتم المحافظة على المكان بدلاً من انتظار التنظيف الذي قد ينفد بعد أيام أو أسابيع ، حملات التوعية التقليدية لم تعد ذات تأثير فلابد من إيجاد بدائل أخرى يتم توعية المجتمع من خلالها بحيث تصبح ثقافة تتناقلها الأجيال.
رمضان على الأبواب فأرحموا من يقضون يومهم تحت أشعة الشمس وهم صيام، ولقاؤنا القادم بعد الشهر الفضيل إن شاء الله.

رابط المقال في جريدة الوطن : http://alwatan.com/details/195241